..لم يكن صدى ليلة صاخبة بالرقص والغناء، قد تلاشى بعد من رأسي، حين شغلت التلفاز. فاختلط في أذني صوت المذيع، وهو يقرأ نشرة الأخبار، بذاك الصدى:
(… ستقام في المساجد..صلاة الإستغناء! الغنى غنى الروح.. رصيد من الإيمان في القلب، لارصيد من المال في الجيب! البطن بلاء، المعدة نفق لابصيص شبع في آخره.. والأبناء متاع الغرور! تقشفوا.. جوعوا، كما جاع الأولياء الصالحون.. إلعنوا بطونكم قبل الشيطان! كلوا قليلا قليلا، واصبروا كثيرا كثيرا.. إكتفوا بما قل ودل من لقيمات، بل صرفوا اللقمة إلى ثلاث، بين الفطور والغذاء والعشاء.. ولِم إثنتان فقط، وحتى واحدة لمن استطاع بطنه على ذلك صبرا؟ العَشاء سُنة غير مؤكدة، العشاء ترف الآن، فتجنبوه وناموا باكرا لعلكم تفلحون.. (الليل حدورة) فلاتجعلوه عقبة وأنتم مقعدون عن الصعود! إجعلوا الوجبة مجرد لقمة فقط، وحتى لقيمة وحسب، جعل الله لكم بدلها، في الجنة، أنهارا من عسل، تقطر من أصابع حور عين أو يطوف بها غلمان مخلدون، ونعم المصير…!)
إختلطت في دماغي صورة الصحفي، بصورة الفقيه، بصور الغناء والرقص، فأخرست التلفاز.. كنت جائعا، وقبل أن ألقم بطني، كي يكف عن تصديع رأسي المصدع، فتحت الفايس، وقرأت بشيء من الخوف:
(..بعد أن تمت المصادقة على مشروع قانون تنظيمي لضبط الأكل وأوقاته وكميته، خصوصا في القطاع غير المهيكل للأكل، لدى فئات واسعة من الفقراء والمعوزين، والمرشحين للنزول إلى خط الفقر وتحت عتبته. وكي تنجح سياستنا في تأهيل وتكوين أولئك، للدخول في مرحلة جديدة من التقشف وشد الحزام على البطن، مرحلة تقشف التقشف وشد البطن لنفسه من دون الحاجة إلى حزام، أنشأنا، وبدعم من وزارة الصحة ووزارة العدل وبتزكية من وزارة الشؤون الروحية وتحت إشراف وزارة الداخلية، شركات للمناولة تتكفل بأوقات الأكل وكميته وعملية نقل اللقمة من الصحن إلى الفم، وتطبق تقنية الإستطعام بالتنقيط لقيمة لقيمة، لإنهاء الفوضى المستفلحة في القطاع غير المهيكل للأكل، كما ستعمل، لضمان توصيل اللقمة إلى الأفواه، على توظيف عدد كبير من الأصابع الوفيرة في أيادي فائضة، مما سيخفض من أعداد العاطلين، ولن تعود هناك حاجة لتمدوا أصابعكم إلى الصحن، ومن خالف ذلك سيعاقب طبقا للقوانين والقرارات الجاري بها العمل!وحرصا منا على استتباب الأمن والإستقرار في ذاك القطاع غير المهيكل، أطلقنا برنامجا ودوريات لمراقبة الحركة بين الصحون والأفواه، كما فعّلنا فرقا للتدخل السريع في حال حصلت مخالفة ما.!)
أغلقت الفايس متوجسا، وأسرعت إلى الأكل، بعد أن وضعت قطعة خبز مغموسة في المربى وكأس شاي على الطاولة، فيم عيني تتلفت حوالي رغم أن الباب مغلق! إشتغل الهاتف فجأة، وانفتحت عين الكاميرا، فرأيت صورتي إلى الطاولة وأمامي الأكل، وأوان حظر الأكل العشوائي كان قد بدأ! مددت يدي إلى الهاتف، فيم فمي يسارع إلى بلع لقمة أخرى دون مضغ، لكنها إمتنعت أن تنمد.. حاولت مدها تجاه قطعة الخبز، فامتنعت أيضا.. جفلتُ، قفزت من مكاني، حين سمعت صوت سيارة الدورية في الخارج. لكن الحذاء اللعين فر من أمامي، وأقسم أن لايفتح صدره لقدمي، لأنه يريد أن يرتاح، أن يتقاعد، بعد أن أشبعته دوسا على الحصى وفي الوحل! جرتني قدمي الحافية إلى النافذة، تسلقتها هاربا قبل أن تقتحم الفرقة الباب وتعتقلني. وقفزت، فسقطت على ظهري.. حاولت النهوض، لكن يداي إمتنعتا عن مساعدتي وتدليتا كخرقة ثوب مهلهلة. قهقه فمي. خبطت قدمي الهواء كقدم رضيع لم يلمس باطنها الأرض بعد..رأتهم عيني يقتربون مني، ورأيتني صرصورا صغيرا أسود، منقلبا على ظهره، يخبط أرجله الصغيرة في الهواء، عاجزا، فوق أرض ملساء، عن الإنقلاب على بطنه والوقوف على أرجله. فتراءت قدم غليظة ساحقة، تهوي غير مبالية بصرصور عالق على ظهره، وصرخت..!
إستيقظتُ فزعا، مبللا بالعرق.. لم يكن الوقت صباحا، كما خُيل لي في أول وهلة، بل وقت زوال يلفظ لحظاته الأخيرة على عتبة المساء، والشمس حارقة لازالت. فبصقت بصوت مسموع:
-تفووو…!
وخرجت لأبول..

أضف تعليقاً