تداعى هيكل عظمي بلا ظل تحت لظى شمس غزة الحارقة. أضلاعه الناتئة، كأغصان شجرة يابسة، حفرت في الهواء فراغًا لا ينتهي. التف حول خاصرته المنهكة حبل غليظ، يسحب صخرة صماء ليست مجرد حمل، بل نعشًا يجره، وحقيقة تموت مع كل خطوة.
وفي جوف الليل البهيم، حين تنير النجوم عري السماء، رفع أنس بصره الخاوي، كأنه يستجدي رحمة من فراغ الكون. مات الجوع فيه قبل أن ينهي جسده، فلم يعد يبحث عن خبز. كان يترقب صوتًا يكسر صمت العالم الذي أغرق أرضه. لكن الكون غط في سبات القبور، ولم يسمع إلا صوتًا واحدًا.
همس بوهن، شفتاه جافتان، تائهتان في فراغ فمه الذي صار كهفًا: “يا أمي، هل مات الناس؟” ثم هوى. لم يكن الجوع قاتله، بل أهلكه فيض تخمة الخذلان، تلك التي فاضت بها البطون وأعمت البصائر. وعلى لسانه، قبل أن يلفظ آخر أنفاسه، بقيت الكلمة الوحيدة التي أبكت روحه ولم تفهمها البشرية قط: “صمت”.
- صمتكم يقتل
- التعليقات