هؤلاء الشواذ الذين يصنعون المصطلح النقدي.
لقد ارتبط مفهوم اللذة “ببارت”، وعرف به، حتى وإن كانت مفاهيمها قديمة تعود إلى الأبيقورية قبلاً وإلى “ديدرو” وساد “فوربي” و”مازوخ”.. وإلى “فرويد”. و”بارت” يبدي إعجاباً خاصاً بـ “بريخت” الذي عرّفه بها، وبـ “باشلار” من خلال “شاعرية الحلم” غير أن “بارت” يكسوها بثوب جديد انطلاقاً من حقيقة المثلية والشذوذ الجنسي.
كتب “فليب سولير” “Philippe Sollers “في نص سردي بعنوان “نساء” “. Femmes “مستعملا اسما مستعارا” Werth ” للحديث عن “رولان بارت” ” Roland Barthes ” يقول:« ماتت أمه من سنتين.. حبه الأكبر.. الوحيد.. ترك نفسه ينزلق، أكثر فأكثر في علاقاته المعقدة بالشباب.. إنه منحدره.. لقد تسارع فجأة.. لم يعد يفكر إلا في ذلك.. في ذات الآن الذي يفكر فيه بالقطيعة.. بالامتناع. بحياة جديدة.. بكتب يكتبها.. ببدايات .. كان يعرف أن اللقب الذي يطلق.. والذي يلفظ همسا في السهرات الخاصة التي ينظمها أصدقاؤه من أجل تمكينه من اللقاءات هو “مامي” ».( )
لقد كانت هذه الفقرة كافية في وصف الجو العام الذي كان “رولان بارت” يتحرك فيه، فقد عاش أكثر من ستين سنة في حضن والدته التي لم يفارقها أبدا، في غيبة “أب” فقده في مرحلة مبكرة من العمر. فقد مثلت له الأمُ، الأختَ والمرأةَ.. فلم يتزوج.. ولم تظهر ميوله المِثلية إلى العلن إلا بعد شهرته، وإن كانت تعود إلى ماض بعيد. غير أنها تفاقمت مع الفراغ الذي أحدثه فقدان الأم.. فلم يعد له من ملاذ سوى تلك الدوائر المغلقة التي تحدث عنها ” فليب سولير ” .
لم تعد حاجته إلى الآخر، نزوات تراوده وتعاوده بين الحين والحين، وإنما تسارعت وتيرتها بشكل ملفت صارخ، حتى سدت أمامه كل طرق العودة، وحالت دون تحقيق كثير من طموحاته الأدبية، وأسبغت لونا جنسيا على عناوين كتبه وبحوثه.. بل اختار من النصوص التي يدرسها ويكتب عنها، ما له صلة بالمثلية وزنا المحارم. فأعاد بعث “المركيز دي ساد” “m. de sade” و”بروست” “proust” وكانت تعليقاته على الموضة والرموز، والإشهار تمتح مادتها من تلك الميول والنزوات.
نشر “هارفيه ألغلاروندو” ” Hervé Algalarrondo ” سيرة عَنْونها ( )-على استحياء- ب”الأيام الأخيرة لرولان بارت” “. Les Derniers jours de Roland B” غير أننا لن نجد فيها من” الحياء” غير العنوان، ويبدو أن المؤلف يتحمل مسؤولية المحتوى حين يعلن ابتداء من المدخل :« أنه سيدع “بارت للبارتيين، لينفرد برولان” ” laisser volontiers Barthes aux Barthésiens pour [se] consacrer sur Roland ” ويطلب من الذين لا ينتسبون إلى “رولان” أن يحجموا عن قراءة السيرة.» ( ) فكون القارئ “رولانديا” ” rolandien” معناه – بحسب المؤلف- أن يعمل على إعادة بعث الجانب الإنساني في ذلك الذي يدعوه عبر الكتاب كله بالمعلم ” le maître ” . والفكرة الأساس للسيرة تتمحور حول كون “رولان بارت” مثليا، يحب الشبان الذين يحيطون به. وهو الملمح الذي يطوره المؤلف في الكتاب كله، مركزا على أن “بارت” كان يفضل صحبتهم على كل صحبة أنثوية. ( )
كتب “إريك مارتي” ” Éric Marty” يقول:«في اليوميات التي كان يبعث بها إلى دورية ” Nouvel Observateur ” وجريدة ” Le Monde ” ابتداء من 1978 كان”بارت” يتحدث كثيرا عنهم (الشبان). وكما جاء في يومية يناير 1980 – أسابيع قليلة قبل وفاته- والتي عنونها بكل بساطة “جنس” Sexe “، كتب يقول: انتابني ضرب من اليأس الشديد.. وبي رغبة في البكاء.. كنت أرى بجلاء أنه يتوجب علي التخلي عن الشبان، وأنه يعد لهم رغبة في.. وأنني كثير التدقيق، أو غير لبق في فرض رغباتي عليهم.» ( ) ذلك هو المنزلق الخطير، الذي تحدث عنه “فليب سولير” من قبل والذي سد كل منافذ الإبداع أمام “بارت”. غير أننا نلمح من حديثه عن نفسه، مبلغ الألم الذي كان يعانيه في وحدته، ومبلغ فداحة الورطة التي وقع فيها.. لم يعد يشعر أنه لا تليق به مثل هذه الأفعال المنحطة، وأنها تزري بمكانته.. بل الذي يؤرقه أن الشبان لم تعد لهم رغبة فيه.. وهذا أمر مخزي إذا ما قيس بالهالة التي توجته بها الحداثة.
ويواصل “”إريك مارتي” ” Éric Marty” وصفه لشبكة المثليين التي يتحرك فيها “بارت” والتي تبدأ من شقة يملكها شخص غامض يدعى “يوسف” وتمتد إلى بعض الشوارع الباريسية، من الحي اللاتيني، يقصدها مع:« “بارت” المعتدل سياسيا، البسيط في المأكل، ولكن “بارت” المثلي الذي يعد حبه للشبان مشكلة» ( ) “فرانسو فال” ” François Wahl ” الناشر في مطابع “Éditions du Seuil” وصديقه الروائي “سافيرو ساردوي” ” Severo Sarduy” وعدد من الطلبة الذين صاروا فيما بعد أصدقاء.
يبين “مارتي” أن هذه الشبكة لم تكن بادية للعيان، وأن: « حياته الجنسية ظلت لوقت طويل، غير معروفة، حتى ليصاب كثير من الناس بالذهول حينما نكشفها لهم. وقد بقيت آعماله إلى غاية 1975 صامتة عن ذلك .. فقد كان ذوقه في الأدب كلاسيكيا، وكانت ملاحظاته تبعث بشيء من الشك، ولكن المقدمة التي كتبها ل ” Tricks de Renaud Camus ” عام 1979 أزاحت كل غموض عنها.»( )
وحين نراجع بعض أقوال “بارت” النقدية والتنظيرية، يتبين لنا مدى تأثره بمثليته وهوسه الجنسي. فهو يقول -على سبيل التمثيل في كتابه “لذة النص” ” Le plaisir du texte” :« إن النص الذي تكتبه، يتوجب عليه أن يعطيني الدليل على أنه يشتهيني. هذا الدليل موجود، إنه الكتابة، الكتابة هي شهوة و “متعة” اللغة »( ) وليس أدل على ذلك من التأرجح بين لفظتي “اللذة” و”المتعة” وكأن اللذة في ما تُعطي والمتعة فيما تأخذ. ثم يتمادى بعيدا ليقول في موقف آخر:«أذهب إلى حد التلذذ بتشويه اللغة، ويضج الرأي الآخر، لأنه لا يريد أن نشوه الطبيعة» ( ) وهو اعتراف قد نقرأ من خلاله ما اعترى اللغة والأساليب من تشويه على أيدي أتباعه ومقلديه، فقد غدا انتهاك اللغة والتلذذ بتشويهها من جنس التلذذ بالأجساد وتعذيبها أثناء الممارسات الجنسية الشاذة. وكأن التعذيب والتشويه يعبران عن استعصاء التملك الذي يسعى إليه المثلي ليكون هو الآخر في نفس الوقت: فاعلا ومفعولا. وهو الأمر الذي يفلسفه “بارت” على نحو عجيب غريب، إذ يقول: «الرغبة.. التوق.. إننا نتحدث دوما عن الرغبة ” Désir”، ولكن أبدا عن اللذة ” Plaisir”،قد يكون للرغبة كرامة إبستمية،أما اللذة فلا.» ( ) مادامت الرغبة هي الاشتهاء الذي يكون طبيعيا لدى الأسوياء من الناس، فهو موجود فيهم يدفعهم إلى البحث عن اللذة، كما أنها تمتلك تاريخها الخاص في أحوال البشر.
إن بارت لا ينظر إلى النص على أنه صنيع فني تتجسد فيه عبقرية الأداء، وإنما ينظر إليه دوما على أنه شخص مِثْلي نزق، يسعى دوما إلى التمرد، وكسر الأعراف. فيتمثله في صورة شاب مستهتر طائش، يصفه “بارت” قائلا:« إن النص “ويجب عليه أن يكون” هو ذلك الشخص الذي يكشف عن مؤخرته للأب السياسي.»( ) فللتمرد صفات وأشكال وأفعال، كان يمكن للكاتب أن يختار منها ما يعبر به عن الانقلاب والرفض، ولكنه لا يجد سوى صورة شاذة لم تجر في عرف لا تقليد، ولا عرفت في مجتمع من المجتمعات، يختارها من واقعه المثلي، ويشحن دلالتها من مرجعيته الخاصة، ليقدم بها النص على الهيئة التي يقدم بها الشواذ أنفسهم.
فإذا كان النص “شخصا مثليا” فإن القارئ لابد أن يكون كذلك حتى تستقيم الفكرة في ذهنه، ويتم له مراده من النص. إذ لم تعد القراءة مسألة عقلية، وإنما غدت عند “بارت” جسدا يتحرك.. يفكر.. فهو يقول:« لذة النص، هي اللحظة التي يتبع فيها جسدي أفكاره الخاصة.» ( ) وربما يبرر البعض أن هذا الضرب من التعبير بأنه شبيه بحالات الشطح الصوفي الذي تحتاج فيه اللغة إلى المجاز، والصور الغريبة. وإننا لنقبل ذلك شريطة أن لا يكون التركيز دوما وأبدا على الجنس والشذوذ. كنعته اكتشاف المعنى الذي يشبهه بالقذف وبلوغ الذروة، قائلا:« إن متعة النص” jouissance du texte ” مبكرة، لا تأتي في وقتها، ولا تخضع لأي نضج،إنها تثور دفعة واحدة.»( ).
إننا راجعنا كتابات بارت على هذا النحو، سنكتشف مقدار الزلل الذي وقعت فيه لغة النقد الحديث على أيدي هؤلاء، وكيف أنها تشبعت بالهوس الجنسي الشاذ، وكيف فتحت باب الاصطلاح النقدي على مفردات الشذوذ والشواذ. تقول “فاطمة البوعناني” ” Fatima EL BOUANANI” في ختام مقال لها عن “بارت” :« سواء تعلق الأمر بلذة النص، أو بلذة الجنس، بمتعة النص، أو بالمتعة المثلية، أو أي ميل آخر كان يؤرقه، فقد استطاع بارت أن يؤسس نظرية تفسر لماذا يسيل لعابنا أمام نص، بنفس القدر الذي يسيل به أمام طعام شهي، أو أمام جسد جذاب.».
