انسلتت الطرحة السوداء، وهي تصرخ بأعلى صوتها في وجهه، وخيطان بيضاويان رفيعان أنارا شعرها الفحمي، وانشق وجهها عن غول بشع يحمل شراسة وعدوان لكل البشر.. كانت تشهر كفها المعروق ملوّحة إيّاه في تحد كاسر.. صغُرَ الرجل وتضاءل بعد أن جرّ صراخها مَنْ يقفون حولهما من أكتافهم ليشاركوا الحدث.
شبّ العزم في جسدها المنهك، ألصقت يد خشبية على ظهر الطفل المحمول على كتفها حتى لا يعوقها وهي تتأهّب للهجوم.
ـ الراجل الوسخ سايب طابوره وجاي يلزق فيا شوية بشوية.
تبرع الكل لمساعدتها حتى صاحب الفرن، وحصلت على حصتها عشرون رغيفا لأربع أفراد، ونال المتحرش عقابه من البصق والشتائم والصفع، وطرد.
كان وجهها في احمرار نار الفرن، وهي تجلس على الرصيف تهوّي الخيز وتلتقط أنفاسها، ونار فرن حجرها يجبر الطفل الغارق فيه على السكات.
بحثت على بطاقة التموين، تبدل وجهها بعلامات الهلع مع شهقة رعشت الطفل الذي كان يرواده النعاس.. فقدت كيس النقود.. عادت تولول في ضعف واستكانة وهي تزرف الدموع، طارت تنحني وتبعثر الطابورين للبحث، وهي تكبش بيدها طفلها على بطنها، وبالأخرى تزيح الأقدام المتزاحمة، ويعلو صراخها بآهة تستفز الواقفين.
ـ في ايه يا ست تاني؟.
ـ الفلوس.. 42 جنيه بقيّت الشهر يا عالم يا اللي ماعندكوش رحمة.
ـ يعوض عليكي ربنا.
ـ ازاي يا خلق؟ نشحت؟ ده الراجل راقد مريض ع السرير بقاله سنتين مش عارفة أصرفله معاش ولا أجيبله علاج.. طب أعمل ايه يا ربي في العيلين دول؟ يا ربي غيتني.. رحمتك يا رب.
في القسم كان الخوف يثنيها عن تكملة المشوار.
ـ في ايه ياست؟.
ـ في حرامي سرقني يا ياشا.
نظر إليها بإشمئزاز، وأطاح بوجهه بعيدا وهو يضحك:
ـ أما حرامي ماعندهوش نظر صحيح.. وسرق منك ايه بقى إن شاء الله؟.
ـ كيـ .. كيـس الفلوس.. ورقتين بعشرين واتنين جنيه.
ـ فين الواقعة؟ حصلت فين السرقة؟.
ـ لامؤخذة يا باشا بعيد عنكم هنا بكتير.. ده أنا بقالي نص ساعة ماشية على بال موصلتلكم.
صرخ فيها:
ـ انتي هتحكيلي حكاية.. فين بالظبط.
ـ ما تآخذنيش يا باشا.
ـ انطقي خلصيني.
ـ بص يا باشا.. احنا بعد ما نخرج من القسم نمشي على طول لحد الميدان وبعدين نعدي الشارع الأسفلت وندخل عزبة الصفيح.. هناك بقى جوا شوية يا باشا عند فرن العيش.
في استخفاف:
ـ آه.. مش تابعنا روحي قسم تاني.
في بلاهة:
ـ هو ايه اللي مش تابعكم؟ ماتآخذنيس يا باشا.
في عصبية:
ـ الواقعة.. الواقعة مش تبعنا روحي قسم تاني ورا الترعة القديمة.
ـ نعم.
ـ ايه طرشتي؟.
ـ فين يا باشا ما أنا ما أعرفش؟.
ـ خلصينا يا ستي ورانا شغل.. يا سيد خد الست دي بره.. وبعدين ما تدخليش أي حد غير لما تعرف موضوعه.
زقها الأمين من كتفها الذي تفاجأ أنه طري دافئ.
ـ يلا يا ست.
هزت كتفها مبتعدة كأنها لدغت:
ـ حاسب ايدك.
نظر إليها وابتسم:
ـ ماعلش.. تعالي أقولك.
ـ ولا تقولي ولا أقولك أوصفلي القسم وخلاص.
شخط فيها حفاظا على مركزه:
ـ اتكلمي بأدب.
ـ حاضر يا باشا.. أصل ما تآخذنيش
انهمرت الدموع وزادت من احمرار وجنتيها:
ـ أنا بجري على أسرة بحالها العيال وابوهم.. باشتغل فراشة في مدرسة بقبض كام ملطوش مابيكملوش نص الشهر واحنا في 12 منه وباقي معايا 42 جنيه هما اللي حلتي يقوم بان الحرام يسرقهم بكيس الفلوس وبطافة التموين.
جلس على مكتبه يسمعها باهتمام:
ـ قعدي ياست.. استريحي.
ـ الله يخليك يا باشا أنا من طلعة النهار وأنا واقفة على رجلي.
جلست، وانهارت باكية:
ـ بقى مكتوب علينا يا ربي الشحططة والبهدلة وقلة الحيلة وأخرتها تتسرق الفلوس اللي حلتي.. دا أنا صرّها في المنديل في قلب البوك.. كنت حاسة انها هتضيع.. قلبي واكلني ع العيال لوحدهم مع ابوهم.. صغار يا ياشا وأبوهم مرمي ع السرير مابيتحركش أديله سنتين.
ارتاحت أساريره وهو ينظر إليها في إمعان، وكاد عود الكبريت أن يلسع إصبعه وهو يشعل سيجارته:
ـ تتعوض.. ماتزعليش نفسك.
مال عليها:
ـ أنا حعملك محضر.. ولما يمشي الباشا هاروح معاكي وهاجيبهولك من قفا أمه.
اقترب يربت على يدها وهو ينظر في عينيها:
ـ ما تزعليش نفسك.. أنا هريّحك وهديكي فلوس كمان.
سحبت يدها بسرعة وأطلقت رصاصة بعين واحدة وهي تكفكف دموعها.. فزت واقفة:
ـ متشكرين يا بيه.
وهي تجر في ساقيها الثقيلة دون أن تلتفت إليه:
ـ ربنا يستر على ولاياك.
خرج من مكتبه يجري خلفها:
ـ خدي هنا رايحة فين؟.
نظرت إليه في إشمئزاز بنظرة صاعدة هابطة تستعرض طوله:
ـ خلاص يا باشا مش عايزة حاجة.. عوضي على ربنا بقى.
ـ اسمعي بس ما تبقيش عبيطة.
في غولها الشرس أطلّت عليه:
ـ مش هاسمع يا باشا واظاهر عليا مش خارجة من هنا وهشق هدومي عليك وأنا يا أنت.. اسجني بقى.
اقترب منها يشدها من ذراعها يعيدها إلى مجلسها.
وقفت الحركة في المكان على صوتها الذي خرج من فمها كالبوق:
ـ احترم نفسك بقولك.. عشان ما أنت حكومة هخاف منك ولا ايه.
انتبه الجميع ناحية صراخها.. نظر حوله في ارتباك؛ فصاح بقوة:
ـ غوري يا ست امشي من هنا.. ايه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي.
ـ ماشية يا باشا.. ماشية بشرفي.. يا ريتك يكون عندك منه ماكانش ده بقى حالنا.
جلست على الرصيف المقابل للقسم تنظر للسيارات العابرة في سرعة وجنون لا تبالي بمن يجلسون على الرصيف في أعداد تتزايد.. تبكي بنهنة، وتقتلها الحسرة على عيالها وزوجها المريض شاعرة بالذنب والعجز.. ماذا تقول لهم؟ وكيف تقضي حاجاتهم وهي لا تملك جنيها واحدا؟.
ـ الواد الكبير كان عايز يشتري كاوتش من باتا بـ 28 جنيه.. والراجل بتاع مكنة الخياطة عايز20 وعلاج بـ 36 وطبخة تقضي اليوم بـ 15 جنيه.
كانت تعد على أصابعها عدد الجنيهات المطلوبة حتى آخر الشهر التي تجاوزت الألف، حينها قامت من على الرصيف وخطت خطوات تقصد نهر الشارع والسيارات المارقة.
الصوت دوى أجبر الحركة المتعجلة على السكون والانتباه، وهي تنظر إلى السماء في عيون مبهورة.. أغلقت عينبها ممدة بعد الرطمة، وفي أذنها صراخ الأولاد .