جرت العادة أن أصاحب وحدتي، فكم من صديق و رفيق و خليل مر دون أن يهمس بالوداع، أو يمني النفس باللقاء، كلهم طبعوا وشما أحفوريا حقيقته؛ لا عزاء لفراقك، لا مرحبا بلقياك، كل الرفقة الآن سيجارة من العرعار و الشيء اليسير من ورق التبغ، لا يحرك فطرة القطران في صلب رئتي التي تسغبه و ترومه عقب كل لفافة. أجلس و لا أبالي، أكان الجو قيضا أو قرا، ليلا أو نهارا، أنا في أحسن أحوالي مادمت قد اعترفت للشمس و القمر بكل أسراري، إلى أن جاءت اللحظة التي لم أشأ يوما أن تجنح بفيافي أفكاري، و مهدة قفاري، لست أنا من وضع نفسي ها هنا، لست أدري أأنا ذلك الهرم الذي يعشق الوحدة و رائحة البرزيلي و مرارة الشادلية، و الذي لطالما أكل الزمن برمته في لفة واحدة، كنت يومها في نفس الزاوية أحدث وحدتي و أسامر نكباتي، كسر الوضع ابنتان في تسابق و بهجة؛ نظرتان كالأمل المسجى بتأبينة همس، لا مجال للإيجابيات في حرفية حياتي، فأنا أنظر لهاتين الصغيرتين دون أن ارى فيهما ماضيَّ العكر، فشتان بين الأمس و اليوم وسيان بين اليوم و الغد، سقطت إحداهما في ركد من المطر الذي أمطر خريفي و أغاث من استسقى الديام، مشبعا بخصال الأبوة و حنان الأمهات؛ نط النَّفَسُ الذي يسكن جسدي المتثاقل كالفارس المقدام و الذي أعرفه عنه أنه يحاول أن يكون كذلك، و كيف له ذلك، فقد نسي سرج المطية؛ و ككل مرة يحاول فيها أن يكون. و بالفعل ما إن وثبتُ حتى وقعت بنفس الركد، بل ازداد الأمر سوءا فالمسكينتان فزعتا، و أخذا في صراخ أكل ما تبقى من فروسيتي قائلا و في لحظة عزم: كيف كيف ما تخافوش…!؟ قلت قولي هذا و أنا على يقين أنني كنت أخاطب نفسي لا أحدا من العالمين، حتى هتف من خلفي صوت تسمَّرَت على انفاسه انفاسي، و اهتز به عرش زماني و زلزل مكان ثبوتي، و كأنني في حضرة ملك الموت يريد أن يخطف ما تبقى من عزيمتي، قد علمت ساعتها أنني سقطت للمرة الألف حين أدركت خلفي صاحبة ذلك الصوت؛ و هي تحمل رضيعة بشمالها و تكفل أخرى بيمينها، و ما أن دنت حتى بادرت بالذهاب فإذا بها تخاطبني: ماذا هنالك من أنت..؟
أحاول منذ زمن أن أجيب على هذا السؤال و لم أجد له جوابا، فكيف بي الآن و أنا أسأل به، و وَجبتِ الإجابة، لملمت سقطاتي و هممت بالرحيل و بالفعل أسرعت في ذلك، أداري ما أستطيع لكي لا تعرفني، فأنا كالطابع البريدي في بلدتي و المختوم بختم محدثتي قبل أن يكون هنالك برق أصلا، نادتني باسمي: أحبس واش بيك أني نهدر معاك؟
لا تزال على نفس النسق، تكلمي كما لو كنت وليدها، و هو كذلك، ففي ذات صبى كانت تعلمني كيف العشق و كيف يهوى الفؤاد، التفتت قاصدا عينيها مكلما إياها دون نبس، فهي ألفت قراءة دفاتري من رمقة عيني: أنا آسف…!
:عجبا من ذا الآسِف؛ أنت آسف على ماذا، على ربيع مزهر بالشوك، صيف طويل دون غيث، شتاء بارد دون لحاف و خريف عنوانه الشؤم، هل أنت كما أنت، و أنا كما أنا؟ لا عزاء لك اذهب فلن أغفر لك.
- صورة ومعنى
- التعليقات


