قبل أن تضع أحزمة النعناع فوق القفص، في أول الحارة، بجوار المسجد،(تَرُش) مساحة كبيرة من الأرض فتأتي نسمة هواء رائقة.. تمس روح الرجل الرث الذي استقر مؤخرًا بجوار المسجد أيضًا، فيعتدل من رقدته ويقول: الله.. هواك حلو يا خالة.
تبتسم فتزيد التجاعيد في وجهها، وتجلس.. أمامها نعناعها وتسافر نظراتها الكليلة في الغموض.
يتأملها الرجل الرث في شجن حنون، ثم يطلق آها منغمة مثل موال حزين، تلتفت إليه، فيتغنى بصوت مبحوح:
” أنا اللي غريب ما بين ناسي
ومسجون جوا أنفــــــــاسي
وبحلم كل ليلة أكـــــــــون ”
تواجهه بجسدها الهضيم كله وهي مستندة على الجدار فيصدح:
” وأنا اللي الصبح عرااااااني
وخلاني كـــده مســــــكون
بمعنى غميض ما خـــــلاني ”
تنكص العجوز رأسها بين ركبتيها فتختفي معالمها تمامًا، بينما هو ينوح:
” وأنا اللي الحزن دفــــــاني
في ليل كان لي
و كا ن حــــــــــــــــاني ”
ثم يصمت ما إن يعلو آذان العصر.
وما يلبث أن ينظر إليها ويتذكر، عندما تقدمت نعش ابنها، منذ عامين، في صمت حالك، مثل ثوبها، وما إن أبصرت القبر الذي أطل منه رجل جهم تهاوت كما جبل ينهار وهي تنوح: آاااااااااه يا ولدي.
فحملنها النسوة وأفسحن لحاملي النعش.. الذين اخترقوا الناس والغبار المحلق في شمس المغارب، وبجوار القبر أنزلوه، صمت الجميع والأيادي تحمل الجثمان النحيف، الملفوف بكفن مبقع بالدماء، وتلقاه الرجل المنتظر في القبر أمام عين الأم الجاحظة.. الجافة، التي كانت يدها تضغط على فمها وأنفها.
وعادت بعد ذلك والكل يتوقع موتها القريب، ولكنها تحيا، هكذا، بعد أن امتنعت تمامًا عن الحديث.