شعر بالأشياء من حوله كأنها تهتز، كأنما جان يحرك الأشياء ويشاركه الحياة في هذا البيت الذي أفرغ من ضجيجهم، استلقى على أريكته وبدأ يقلب القنوات واحدة تلو الأخرى، بين الأغاني والأهازيج، والرياء والمدح والتصفيق ، عويل صهيل … تتر.. موسيقى متقطعة، مذيع يقضً هدوءه بخبر عاجل، ما إن سمع الجزء الأول منه حتى تقهقر للقناة رقم واحد، مبتدئا العد التنازلي حتى يعثر عليه، نفس الرجل الذي أوهمه يوما أن صفقة كبيرة ستغير حياته ، يتربع على عرش الأستديو ملقنا الجميع دروسا في ماهيات حياتهم وتقلباتها، استل الهاتف من جيبه وأسرع بكتابة أرقام البرنامج ، سرعان ما علق الخط، وبدأ بعرض أسئلته: أين هي الوعود التي توهمنا بها؟.
قال له الرجل صاحب الوجه العابس، وراءك ستارة حمراء، خلفها امرأة جميلة تأتي كل صباح توظب البيت وتنتظرك على عتبة الباب ثم تختفي ما إن تسمع وقع خطواتك، وأثناء الكلام ثم قطع الخط ، فجأة وجد رائحة القهوة تعبق في أرجاء المكان، هرع للمطبخ لم يجد شيئا ، عاد لمكانه وإذ بفنجان قهوة ساخن مثير، صعق من هول ما وجد، فتش البيت ركنا ركنا… دخل غرفة نومه فهو لم يدخلها منذ أن طلقها، حيث أفرغها من محتوياتها وأقفلها، حين كان يشك في تصرفاتها ثم اتهمها بالخيانة، شعر بالخيبة وغصة تعتصر قلبه، أحس بيد حانية تلمس كتفه ، التفت وجد فنجان القهوة قد انتصف لتوه عاد ليستقر على الطاولة، ضجيج سيارة يثير زوبعة في باحة البيت الخارجية ، هرع ليفتح الباب، قطة بيضاء صغيرة تنام على عتبته، ربت عليها، أدخلها ، لتؤنس وحدته، عاد يتصفح القنوات، سمع سقوط الأواني في المطبخ ، قال في نفسه إنها القطة لايتا… فهي مشاكسة كما أخبروه الجيران، لم يأبه لشيء . استسلم للنوم أمام التلفاز بعد أن ترك مذيع الأخبار يلقي على مسامعه نكبات العالم المتتالية ، تردد صوت همس وقهقهة مختلسة ، ذعر من نومه ، اعتدل مصغيا، سمع كلماتها وهي تعاتبه، كانت تبكي بشدة ، ارتفع صوتها وهي تستجديه … كاد أن يموت من الجنون ، نسي أن ما كان يسمعه ويراه مجسدا أمامه في التلفاز. أقفله..ألقى بالريموت على القطة لايتا ، جمع جسده وتكور على الأريكة ، قفزت لايتا ، أدخلت رأسها في صدره، وغطًٓا في نوم عميق … أسدلت الستارة الحمراء، ارتفع صوت الطبل وقف المتفرجون صفقوا … مازال الرجل وقطته يرسلان نغمات الشخير دونما توقف…

أضف تعليقاً