امرأة ودّع الستين عمرها.. تنظر الى ابنها في زنزانته بعد عناق طويل.
– ولدي لا يمنعني من زيارتك الا الموت…فان لم اتي اليك فاعذرني.
ادارت وجه الحزن عنه وغابت في ممرها الاسود.
في زهرة العمر …لكنهما اختارا طريق الحرية … انفقا أخر لحظة من الشهور الثلاثة يخططان ..وبدأت ساعة الصفر تتدلى لتسقط في احضان المعركة …في اي لحظة.
– هل وضعت كل شيء في مكانه ؟
– نعم ..واعاد نفس الخطوات التي كررها قبل قليل.
– إعلم اننا ماضون لننتصر لا لنموت.
– بمشيئة الله.
رن الهاتف… أنصت بصمت. اغلقه وهمس بأذن صاحبه.
– غدا عند الساعة الثامنة صباحا .
– نعم اخي …انني جاهز.
كانت ليلة طويلة…لم تقتنع الثامنة بالمجيئ الا أخيرا…فتح الباب وجد السيارة الصفراء مستعدة أيضا. فتح الصندوق ليتأكد من العدة والسلاح…
انطلقا…اوقفهما شرطي…
– اوراق السيارة لو سمحت ..
– تفضل.
– تفضل لو سمحت .اخرج له احدهما وهو الجالس في الخلف بطاقته الشخصية ..
– عفوا سيدي . اعاد له الشرطي البطاقة بكل احترام. وفتح لهم الطريق.
حمدا الله انهما استعدا جيدا لمثل هذا الموقف والا كان مصيرهما مصير من انطلقا الان لأطلاق سراحه. فقد أقسما ان يعيداه لامه المنكوبة..
السيارة تسير ويدهما على الزناد… هواجس أخر لحظة تمر كالبرق وأصوات المارة والسيارات تتوالى كالرعد. طفل يمسك يد امه بيده الصغيرة وقد احتوت رأسه قبعة بيضاء كأنه الملاك .. ذلك الشيخ وتلك العجوز يريدان ان يعبرا الشارع.. اوقفا سيارتهما واشار السائق لهما أن اعبروا. كانت اعماقهما تموج بمعاني الانسانية وتفيض بطيبها على الوجود. اقتربوا من السجن كثيرا…
رفعت هاتفها بعد ان رن.. امرأة ودع الستين عمرها.
– نعم يا شيخ .
– انهما قادمان .. سيارتهما صفراء… هذا يومكِ..توكلي عل الله.
عبرت الشارع وقفت في منتصفه… ترفض ان تتحرك رغم ازعاج السواق وصراخهم وهم يتجاوزونها بصعوبة.
وصلت السيارة الصفراء … قبل ان تتجاوزها بهدوء.. ضغطت حزامها الناسف. تحول السوق الى ساحة معركة في لحظة واحدة . الجثث في كل مكان .. الجرحى يحترقون ويصرخون.. الاطفال تساقطت اجسادهم الخفيفة على الارض بعد فترة قضتها في الهواء…السيارة الصفراء لم تعد صفراء بعد ان لونها جحيم الانفجار بلون الموت والدم.
هز صوت الانفجار السجن … وتحرك الحراس بسرعة استعدادا. ولكن ذلك الشاب بقت ايامه في الضلام … يفتقد امه بعد ان تحقق غيابها الابدي..!

أضف تعليقاً