خرج من البيت مسرعًا بعد أنْ قضى معظم الليل أمام التّلفاز، تأخّر كثيرًا عن عمله، فصعد الحافلة المكتظّة عن آخرها، الوجوم يخيّم على وجوه الحاضرين وكأنّ على رؤوسهم الطّير، والآذان تصغي لمذيع لم يعد يدري بحجم المآسي الّتي يتسبّب بها أولئك المارقون في هذا العالم الصّغير… هبط من الحافلة بسرعة الضّوء؛ ودلف إلى مكتبه مثل القذيفة ليجد المدير في انتظاره، وقد تورّمت عيناه واحمرّت كشرارٍ انطلق من قنبلة، تلقّى بضعة صواريخ في وجهه، أعقبه إنذار شديد اللهجة، ليغادر عمله وهو يشعر بأنّه أكبر سنًّا من هرم خوفو… مشى على غير هدى، ثمّ شعر بعطش شديد، فتوقّف عند بائع عصير ليروي ظمأه، لم يكتف بكوب واحد؛ طلب كوبًا آخر وأخذ يرتشفه ببطء شديد؛ قطرة قطرة، ليغرق بعدها في نفسه وهو يراقب طفلًا يداعب أباه على مقربة منه… أكلته الحسرة وهو ينظر إليه وإلى حاله، ثمّ سرح بخياله بعيدًا، ليستفيق على وقع خطوات فتاة جميلة مرّت من أمامه، أطال النّظر إليها، تمنّى لو تبادله النّظرات، لو تنظر إليه فقط! باءت أمانيه بفشل ذريع، فأشاح ببصره ناحية الطّفل مرّة أخرى، يراقب ابتسامته العذبة؛ وصدره يكاد أنْ ينصهر… أنهى الكوب وتابع سيره، لم يترك شارعًا في المدينة إلّا وعبره، ظلّ هائمًا على وجهه، ولم يدر بنفسه إلّا في الصّباح وقد تكوّر كعصفور صغير بلله المطر، وقد اخضلت عيناه بالدّموع؛ ليبدو لمن يراه كطفل صغير وهو يحتضن قبر أمّه…

أضف تعليقاً