مخالب الذّكريات تؤلم قلبها، تحفر أخاديد الموت على سنين الحياة، تحاول الهرب من سيل الماء الجارف، أخذت تسبح ضدّ التيار إلى ساحل الضّفة الأخرى، تجد جسد طفل يصارع الموت، تضمه إلى نحرها، تشمه تقبله، تستيقظ من نومها مذعورة، تنحني على طفلها، تتحسّس جسده الغض، حرارته المرتفعة انخفضت، انحدرت دموعها فوق خديها، الهم والحزن كانا طول الطّريق يعصران روحها المنكوبة، تحاول أن تصحو من سكرة الحدث، تعوذتْ بالله من كابوسها المرعب، رفعتْ يديها نحو السّماء، تمتمتْ شفتيها خوفاً من المجهول، ما زالوا ينامون في العراء، لاحظتْ بزوغ الفجر، أيقظتْ زوجها وأطفالها، نهضوا لمواصلة السير نحو (أربيل)، طريق تحفّه المخاطر، ساروا بمشقة بين صعودٍ ونزول، في منعرجات الجبال وأوديتها السحيقة، أخيراً وجدوا الجادة المعبّدة بالإسفلت، توقفوا ليستريحوا قليلاً، بعد برهةٍ توقفتْ عندهم سيارة أخذتهم إلى المدينة.
كانت ظروف اللاجئين في المخيمات لا تطاق، البرد يجمد أوصالهم، فكرة الهجرة بعد مرور أكثر من سنة تراود سرمد بقوة.
الأيام تمضي مسرعةً مثل غيمة صيف عابرة، انقطاع الأمل بالعودة إلى ديارهم زاد من اصراره على ترك بلده، أصبح دائم الشرود..
لاحظتْ سارة هذه العلامات على تقاسيمِ وجهه، سألته عن سبب هذا الوجوم… قال:
ــ ما رأيك في الهجرة إلى بلاد أوروبا؟.
ــ لا أحب أرضاً غير أرضي.
ــ وإلى متى نبقى في هذه الخيم؟.. الأوضاع تزداد سوءًا في كل يوم.. لاحظِ كم من العوائل تركوا مخيماتهم ووصلوا إلى دول أوروبا.
ــ حتى إن وافقتك على فكرة السفر، كيف نسافر؟.
ــ عن طريق التهريب..
حينها تذكّرتْ ذلك الحلم المزعج ثمّ صرخت:
ــ لا.. لا تكرّر مثل هكذا فكرةٍ بعد الآن..
ــ لماذا الرفض.. وهل نمضي بقيّة العمر في هذه الخيمة؟!
ــ نصبر ربما الفرج قريب.
ــ صبري نفد، لم أعد أحتمل البقاء هنا أبداً.
ــ أنا خائفة.. أطفالنا ما زالوا صغاراً، وهذه الرحل محفوفةٌ بالمخاطر.
ألتزم الصمت… وبقي للحظات يحاول أن يقنعها بفكرة الهجرة سوية؛ أخيراً وافقت على مضض.
حملوا حقائبهم وانطلقوا في رحلةٍ لا تخلو من مخاطر جديدة، أصبحوا خلالها تحت رحمة المهرّبين، قاسوا فيها الأمرين.
ما أن وصلوا إلى تركيا واستنشقوا هوائها النقي، بهرهم جمال المدن وشوارعها الرائعة وهي تغفو على سواحل البحر القرمزي، الأشجار والزهور تدغدغ قلوبهم بعبق الياسمين.
على ساحل البحرِ كانوا ينتظرون ركوب البحرِ الأبيض، المحطة القادمة إلى اليونان، سقراط يشرب نخبهم مع شعلة أثينا.
الأحلام وردية في بهارج المدن الماسية, الشوارع العاجية تنتظر وصولهم, محملة أشجارها بالياسمين, تلوح لهم بالترحيب الحار مع عناق الحوريّات, الجنة فتحتْ أبوابها لهم.
بسام الصغير كان يتمتع مع أخوته باللعب على رمال الشاطئ الناعمة، ساعة الصفر لا يعرفها سوى المهرّب، أكثر من أسبوع ينتظرون تلك اللحظات، عائلة سرمد في قلق وخوف؛ في لحظة ركوب القارب الذي امتلأ بالعوائل العراقية والسورية الهاربة من جحيمِ الجماعات المتوحشة.
القارب المطاطي بدأ يترنح تحت وطأة ريح قاسية في ذلك الليل الدامس, أمواج البحر بدأتْ تتلاطم وتتصادم مع بعضها, في العتمة لا يسمع الرّكاب غير صوت المحرك الصاخب، قلوب الجميع تخفق خوفاً من السقوط، الربان أطفأ المحرّك ليقلل ردّة الفعل، لكن هيجان المياه كان يزداد قوة، انقلب القارب وبدأ الصراخ، سرمد كان يمسك هو وزوجه بأطفالهم الثلاثة قبل سقوطهم في الماء، شدّة الصدمة أفقدتهم التماسك، الجميع أصبحوا وسط الأمواج الغاضبة، بسام الصغير طاف به ماء البحر والقاه على ساحل اليونان؛ وجدوه هناك يرقد على وجهه يعانق رمال الساحل الباردة وحيداً.