سمعت طرقا على بابي ولد في نفسي الفزع، و أيقظ مخاوف كنت نسيتها. قلت في نفسي: ليسوا زوار الليل؛ فقد تخلوا عن هاته المهمة منذ مدة، و أوكلوها لغيرهم، يتولون التكفير و القتل. صديقي الشاعر الفاتن، تعرض لمهانة التنكيل على يد هؤلاء لأنه نظم قصيدة في عشق النساء، فاعتبر فاسقا وجب جلده أمام جمع غفير من الناس للعظة و إخراس كل من تسول له نفسه الخروج عن الصراط. استيقظت من غفوتي اللذيذة ظهرا، وجدت فتات الطعام يداعب ملامس لوحة مفاتيح حاسوبي، نفضتها كمن يريد نفض غبار خوف حط فجأة على نفسه فأثقلها.
زاد الطرق، حمدت الله على أن باب منزلي من حديد يصعب فتحه، سيترك لي فرصة التفكير في طريقة للنجاة. لا أريد أن أسقط بين يدي جلادي العصر الدائم، هؤلاء الرجال، أو أشباه الرجال، كما قال سيدنا علي؛المفتونون بزرع القهر في النفوس باسم الله. يريدون إشعار الخلق بمهانتهم، بدونيتهم، بحقارتهم، و أن الخلاص يكمن في النظر إلى أعلى، هروبا من قبح الواقع. ههههههههههههه حيلة طريفة لصرف الأنظار عن الاستغلال..
علي أن أتدبر أمر تلك الكتب التي تملأ خزانتي، و تلك المقالات التي دبجتها عن ضرورة مسايرة روح العصر، و الخروج من إسار الكهوف و قبضة الظلام. تذكرت ذلك الشاب الذي كتب مقالة واحدة جرت عليه غضب الولاة و التقاة، و حكم عليه بالشنق. يا ألله، ما العمل؟
كنت أقرأ كتاب هشام صالح، و ترسخت لدي فكرة ضرورة وجود مفكر كبير يزلزل الأرض من تحت أقدام السكون، يرج البرك، و يسعى إلى تشكيل عالم جديد يعيش فيه الإنسان بأمان. بعد أن يكون قد عانى ويلات الحرمان من الحرية و التعبير عن الرأي، و أن يدرك عمق مأساة بلده الضارب في الكبر مساحة و الصغير حضورا. يخاطر بحياته لإشعال وجه النور. ظننت نفسي ذلك المفكر، أما الآن، فعلمت أني لسته، أنا مجرد رجل بسيط يريد أن يعيش في سلام.
الطرق متواصل لا يريد الخمود، لا تكل تلك القبضة التي تقرع بخشونة وجنتي الباب. أشم رائحة رغبتها، تريد الارتواء من دمي. لن أسمح بسفحه، إنه زكي، أزكى منهم مجتمعين. الويل لهم!
سارعت إلى خزانتي . أنزلت الكتب و المقالات، ثم بحثت عن الغاز و أعواد الثقاب، لم أجد ما أضرم به النار.
لن أسمح لهم بإحراق كتبي، كما فعلوا مع ابن رشد، سأحرمهم من التشفي، سأترك جذوة غضبهم مشتعلة في نفوسهم تحرقهم، لأني سأحرقها بنفسي. سأستمتع بغضبهم، بفشلهم، ليقتلوني، لا يهم، لكنهم لن يأخذوا مني فكري، أنا صاحبه، و المتحكم فيه.
كانت نشرة الزوال تذيع خبر انفجار ذهبت ضحيته جريدة جريئة. الفاعل ملثمون رفعوا كلمة الله. أصبت بتضبب الرؤية و الرؤيا..لم أعد أفهم شيئا.
كانت قوية كالطرق على بابي. لا مجال للهرب، و لا مهرب لي، الكتب ستقع بين أيديهم لا محالة، سيحرقون قلبي قبل إحراقها.
لأذهب إلى فتح الباب بكل شجاعة، على الأقل، أواجههم بضعفي لأقتل به غيظهم الأسود، و الكالح.
فتحته فوجدت جيراني يقفون مذهولين، قال أحدهم: أردنا الاطمئنان عليك بعد أن لم تخرج من منزلك منذ مدة، خفنا أن يكون قد وقع لك مكروه لا قدر الله.
طمأنتهم أني بخير، و شكرتهم على مشاعرهم الطيبة.
استبشروا خيرا، فمدوني ببعض الأكياس تحمل طعاما، و رجوني، و بكل إلحاح، أن أقبلها منهم، و أن لا أردهم خائبين.
تناولتها منهم ممتنا. و قفلت راجعا إلى مكتبي: سأكتب!
هذه المرة، عن جدوى الإنسان!.
- طارق
- التعليقات