نَظَرَ فِي وجُوهِهم، شَعرَ بالْقَلقِ، عَلِمَ بالْفِطْرَةِ أَنّ أُمَّهُ الّتِي تَرَكَتْهُ فِي مُنْتَصَفِ الطّرِيقِ لَنْ تَعُودَ، كَانَ فِي عَرَبتِه الصّغِيرَةِ يَمْتَصُّ أَصَابِعَه بِهُدُوءٍ، مُتَأَمِّلًا انْبِعَاث الدخَانِ الْأَسْود، يَلْتَهِمُ السّحبَ الْبَيْضَاءَ؛ قَالَ الرَّجُلُ ذُو الصّوْتِ المُنْكسرِ، أنْقِذُوا مَا تبَقّى مِنْ بَشَرٍ، شَعَرَ بِهم يَسْحَبُونَ عَرَبته، تَلَقّفَتْهُ أَيَادٍ كَثٍيرةٍ، كَبُر فِي مَيتَم بَعِيدٍ عَنْ وَطَنِه، الْتَزَم الصّمْتَ، أسْفَرتْ رِحْلَتُه عَنْ عَوْدِةٍ بِانْتِقامٍ مُبَطّنٍ، دخَلَ حيّ الفُقرَاء، وزّعَ الحَلْوى، سألَ عَن بيْتٍ ما، وَجَدَه، دَفعَ أَبْوَابهَُ؛ حَضَنَهُ عِطٔرُ أُمِّّهِ، تَذَكّرَ الدّخَانَ الأسْودَ وَهْوَ يَلْتَهِمُ الْحَياةَ، أقْفَلَ الأَبْوَابَ، فَتَحَ الْهَاتِفَ، أَمَرَهُمْ بِتَنْفِيدِ الْمَهَمّةِ، جلَس يُتَابِع عَوَاجِلَ الأَخْبَارِ، لَم يَكُنْ مِنْ بَينِهم السّفّاح، أصيبَ بالذّهولِِ، ابْتلَع لسانَه، ظَهَرَ فِي الصُّورةِ طِفلٌ جَميلٌ تضرّجَ بالدِّمَاء، كـَان يَبِيعُ الزُّهُورَ الٔبيْضاءَ للعَابرين..

أضف تعليقاً