ويرتدي من ظلال النبق قبعة ، ويرمق الخلاء المخادع ، وعلى أطراف قدميه الصغيرتين يقف، يتطاول في الفضاء قدر الاستطاعة ويبص حد الشوف ، يمسح التواءات الطرق وتلاحم الأشجار وغوص أطراف الغيطان في بحر الفضاء، مترقبا صاحب الحديقة ..حيث سيطلع من هناك ، يلهب الصمت بنحنحاته الخشنة، يسوق حماره الملجم ويطوح عصاه ممزقا ستارة الضوء ، كل ما يخشاه أن يقترب فجأة ويلمحه متكاسلا يفترش نداوة الظل ، هائما يرضع من ثدي الصمت وبحبوحة الشمس ورقرقات النسيم ، تاركا العصافير ترتع في عناقيد العنب ، فتنطلق العصا صاعدة وهابطة وملاحقة طفلا يتخبط في خلاء يضيق ، تحاصره اللسعات الموجعة ، فينكمش ملتفا بالصراخ والالم :
– قف ياولد !

فينفرد المنكمش مجففا دموعه والصراخ ، ماسكا طرف قماشة ممتلئة بالحصى والدمع ، تطوحها ذراعه المرتعشة فتدور إلى أقصى سرعة ، ويمتد صوته الرفيع متحشرجا ومتقطعا وشارخا امتداد الزروع :
– زر هوووووى (1)
ويفلت طرف القماشة، يتطاير الحصى كالرصاص فوق شواشي الأشجار ، تهدر الظلال بعصافير تنطلق وتتخبط وتتساقط وتعافر وتطير وتتجمع هناك.. ظلالا تغيب في رحم الفضاء.
ولكنه الآن يلملم جسده وأنفاسه المتلاحقة، فما زال الخلاء على حاله ، يجلس صامتا يترقب في دهشة أسراب عصافير تأتي من كل اتجاه ، كانما تولد فجأة ، ظلالها الكثيفة تمرق فوق الأشجار ، تحط بين عناقيد العنب ، فيتامل عن قرب تلك الذيول الحمراء والمناقير المدببة ، ولفتات الرؤوس المضطربة ، والعناقيد حين تنسلخ كعجوز يخرج لتوه من النهر عاريا ، وحبات عنب تغوص في عتمة الحواصل ، يحبو على لدن التراب وندى الحشائش وفراشات تتقافز ورقة في القلب وأنفاس مكتومة وأقدام محاذرة … هكذا ..كغمامة صغيرة تحبو على مفارش الضوء ، يدنو ملتفا بالتوق إلى مس تلك الأجنحة ، يود لو يطير معها فوق الأشجار ، يندس بين مناقيرها ويمص رحيقا كالشهد ، ويغيب بعيدا عن عيني صاحب الحديقة وجحيم العصا ، يعوم في الفضاء مشكلا أوضاعا مختلفة تدهش العيون ، كان يقترب من سرب العصافير ، هكذا لأول مرة ، كان سيحدثها ، وكانت تنظر إليه ، توقف رؤوسها لحظة وتلف مكانها متهيئة للانطلاق ، ولكنها لا تنطلق ، تثقب وتمص الرحيق وتبتلع ، فيقترب ويلمس، يتحسس، يمرر يده فوق الرؤوس والأجنحة . يحملق في دوائر العيون ، ارتعاشة الحواصل الممتلئة ، قفزات الارجل ، الاظافر الرقيقة ونمنمات الزغب ، كان سيقول وكانت ستستمع، كان سيحكي لها عن أبيه الذي لفوه في قماش ابيض ، وحملوه على أكتافهم ، وشقوا بصعوبة بين نسوة يعلوا صراخهن والتواءات دروب وعفار طريق غطى ملامحه، حتى أنهم وهم عائدون
لم يعرفوا أنه ابن الذي دفنوه ، فعاد يركل الحصى بقدمين حافيتين ، ويصعد فوق شجرة التوت متأملا عشا به بيض صغير ، وسحابة من عفار تختفي بين البيوت ، ونسوة يملأن عتبة الدار ويغنين بصوت ممطوط :
” هوووووى” ..إي وربنا … كانوا يقولون هكذا..” هووووى”.
كان صوته يرق ويتناغم كأنه صفير ، وكان سيحكي عن ذلك العش الذي ظل يتابعه أياما ، يصعد بين الفروع .، ينظر ويتشمم ويغطي ما انكشف من العش ، حتى صعد مرة ..كان العش مازال دافئا ، وحفرتان خاليتان من البيض ، تمتد عتمتها في فضاء الروح ، وظلال زروع تتماوج ، وقط يتقافز ويغيب هناك بعيدا ..
كان سيحكي عن صاحب الحديقة الذي يطرق بابهم ليلا ليؤكد على صحوه مبكرا ، وصرة غدائه الممتلئة بفتات البتاو والجبن ، يربطها في فرع الشجرة حتى لا تطولها الكلاب السارحة ، كان سيحكي ويحكي ، وكانت ستسمع ، حين استسجمع الحروف في فمه وهم لينطق ، انطلقت العصافير هائمة تتدافع وتتخبط وتتصادم وتسقط وتعافر وتنطلق، وظل مارد يغطي امتداد الحقول ، صاحب الحديقة واقف عند راْسه ، ترتفع عصاه في وجه النهار والطيور المارقة ، وطفل تلجمه الدهشة ، ينغلق فمه الصغير على عصافير كلمات تتطاير وتتزاحم محبوسة في قفص الصمت ، تبص من وراء زحاج عينيه، تتخبط بين فروع شرايين ودقات قلب ومقامات بوح تدغدغ الجلد الرقيق، فيتضخم الطفل ملء الأودية ، يقف على أطراف أصابعه ويتطاول ..
هو الجرم .. متشبتا بفروع وهمية وغيمات تتباعد ، يتقافز فوق سلم الريح ، يواجه عصا ترتفع حد الغمام ، وصاحب حديقة ينتبه فجاة لطفل يفقس من بيض الدهشة ، هكذا وكأنه يراه لأول مرة ، بل ويرى كائنا مختلفا تنبث فيه عشرات الأجنحة والمناقير والعيون المستديرة، يتأمل من عل عينيه وهما تلمعان بتحد غريب، تتسعان بحجم البتاو واستدارة الشمس ، تستحيل حرابا وأنيابا ومغاور ودلاء من زيت الخروع، إنهما تواجهانه، تلكما العينان اللتان كانتا غارقتين في بحار الدمع والعوز ، عصفور ومخلب وصغير بتضخم ، عناقيد تتعرى وخلاء يضيق ، وعصافير على شواشي الأشجار تتأمل ، وحمار يفتح عينين غبيتين على أشياء بلا ملامح ويعاود الجز في حشائش متماسكة .
ما الذي يجعل المدى بستدير هكذا منحنيا كقبة ، متأملا وغارقا في الدهشة ، أشجار تقترب وناس يتوافدون ، كأنما ولدوا فجأة من باطن الأرض ، دائرة تتسع وأفواه تشجع ، والعصا في يد صاحب الحديقة ترتفع حتى تلامس قطن الغمام ، تنزل بحجم الغضب والقسوة وضياع الهيبة وعافية الجسد الشارب من العز ، تشق الفضاء بصعوبة كأنما تتحرك في جوف بحر :
– قم يا ابن ال..
والقماشة في يد طفل العصافير تتحرك باتساع الدائرة وفضفضة الحكي وبحبوحة الشمش، صوته الرفيع يخرج من عمق الروح بامتداد الندب وليل السامر وحداء الركبان في الوديان البعيدة :
– هوووووي…
تلف يده مسرعة كانفلات الصيد وانطلاق العصافير وزوبعة العفريت ، يفلت إحدى طرفيها، يتطاير رصاص الحصى في وجه العملاق ، فيحاذر ويمنع ويدفع ويصرخ ، يستند على جدران الهواء ، وينخس بقدميه حمارا ما زال يأكل ، يضرب بعصاه العمياء الفراغ المبتهج ، رصاص الحصى يلهب عينيه فيتخبط على غير هدى ويسقط على ملاءة الظل .
وبين ضحكات تتنامى ومدى يصحو ، يبص بعينين منكسرتين صوب طيور تفر ، وولد ينطلق في بلاد الله خلف عصافير سيقول لها شيئا.
____________
(1) صيحة لطرد العصافير ( صعيد مصر ).

أضف تعليقاً