كان يعشق الوحدة ، يحس براحة وهو يعد عدد السيارات الفاخرة التي تعبر أمامه ، وعدد الجميلات التي تغيب بعد لحظات ، ولا يحب أن يرى كل من يعرفه ، كان يرتدي ملابس الحزن الضيقة عليه ،ويرتدي نظارته السوداء ، وفنجان القهوة لايفارق يده وفاه ،وبداخله مقبرة الأحزان والآهات ،لا يفكر إلا في ذكرياته الأليمة ،حتى ظله الوفي صار مثله ، وبينما هو كعادته إذا بورقة مطوية هزتها الريح وتلاعبت بها دون قصد أو وجهة ، تسقط بين رجليه الهزيلتين ،وتريد مخاطبته وكأنها تعرفه منذ زمان ، ترَدّدَ قليلا فأمسك بها وأراد أن يرميها لتكمل مسيرتها المجهولة ، لكن سقطت للمرة الثانية أمامه ، فقرّر فتحها وقراءتها ، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان ، إنها رسالة لم تخطأ العنوان ولكن دون طابع بريدي ، ولا اسم المرسل ولا تاريخه ، تمعن في العبارة المخطوطة ، ودموعه السجينة صرخت لتذوب على وجنتيه ، وتسقط على أصابع رجليه ، ليستفيق من غيبوبته الطويلة ، كانت العبارة التي ذبحت صمته ، وكسرت غفلته هي ( غير نفسك تغير التاريخ)،نظر إلى ملابسه الحزينة ، وجسده السقيم ،فنزع نظارته المعهودة فتفاجأ بالألوان الحقيقية والزاهية التي تروح وتغدو عليه ،وعرف أنه كان مختبئ وراء نظارته اللعينة ، ومسجونا داخل ملابسه الحزينة، رمى فنجان القهوة وداس على نظارته ، وأعلن أن يشتري ملابس
الأمل ونظارة العمل ، ويرجع إلى حضن عائلته التي تحبه ، ويرسم لوحة غده بألوان الربيع الزاهية ، ويطلق الوحدة المشؤومة ، ويسافر مع أحلامه رفقة ألليلك الأرجواني ، ويمزق كل الصفحات الملطخة بحبر النكسات والآهات ، ليكون دفتر حياته زهور أقحوان وياسمين أبيض.

أضف تعليقاً