دخل المنزل على عجل، جلس أمام حاسوبه، فتح بريده الالكتروني، تفقّد رسائله؛ لم يجد أيّة رسالة جديدة، ففتح المسنجر، فإذا بصديقه تامر وقد وضع أمام اسمه كلمة “بالخارج” فقرّر أنْ ينتظره ليسأله عمّا حصل في الانتخابات، وعن أسباب خسارتهم لها، جلس طويلًا لكن من دون جدوى، ثمّ قام ليجهز طعامًا يسدّ به رمقه، رغم أنّ نفسه لم تعد تطلب الطعام، لم يمض وقت حتّى رنّ هاتفه الخليوي، تفحّص الرّقم فإذا به تامر فسأله :
– أين كنت؟
– لقد انتظرتك أمام الحاسوب لساعات، أين كنت أنت؟ أين ذهبت بعد الانتخابات؟
– إلى البيت.
– كيف حالك الآن؟
– بل قل كيف خسرنا هذه الانتخابات الآن؟!
– لا أعلم.
– لقد أكّدت لي بأنّنا لن نخسر.
– حسنًا لا يهم، عندما نلتقي سنناقش الأمر سويّا مع باقي الأصدقاء؟
– أصدقاء! عن أيّ أصدقاء تتحدّث؟ أنا لا أثق بمعظمهم.
– حسنًا، دعنا لا نتكلّم وأنت في هذه الحالة، سنكمل حديثنا فيما بعد، تكون ساعتها قد هدأت أعصابك.
– لن تهدا أعصابي أبدًا، إلى اللقاء.
أنهى المكالمة ورمى الهاتف على الأرض من شدّة غضبه، وتوجّه إلى المطبخ، فإذا بالحاسوب يعلن عن استلام رسالة جديدة، عاد أدراجه، تفقّدها؛ فإذا بها صديقة من الجامعة، فجلس ودار بينهما حديثًا مطوّلاً عن الانتخابات، وصبّ جام غضبه على عميد شئون الطلبة، واتهمه بأنّه هو وراء كلّ ما حدث من تزوير، وشراء للذمم والأصوات؛ وأنّه عدو لكلّ ما هو نظيف في هذا العالم … الخ. بينما كانت هي توافقه على كلّ ذلك، وتؤكّد له حقيقة ما يقول، وبأنّها سمعت من بعض زميلاتها ما يثبت صحّة أقواله…
بعد أنْ أنهى الكلام معها أقفل الجهاز؛ لم يعد يرغب برؤية أحد، ولا أنْ يكلّم أحدا، وقرّر أنْ لا يغادر البيت أبدًا، وأن لا يذهب إلى الجامعة في الغد، ثمّ توجّه إلى سريره، وألقى بجسده المنهك عليه؛ ليغيب فورًا في عالم آخر.
بعد مضي يومين، استيقظ مبكرًا، تناول فطوره على عجل، وتوجّه إلى الجامعة، وفور وصوله أخبره أحدهم أنّ عميد شئون الطلبة يريد أن يراه؛ فذهب إلى مقرّ عمادة شئون الطلبة ليتأكّد بنفسه من صحّة الخبر، ومن هناك توجّه إلى مقصف الكلية باحثًا عن صديقه تامر، فلم يجده، حاول أنْ يتّصل به على الهاتف فلم يردّ، فقرّر أنْ ينتظره على أمل أنْ يأتي؛ فربّما يساعد في وضع تصوّر لأسباب هذه الدّعوة المفاجئة، وفيما كانت الأفكار تتلاعب برأسه لمح تامر قادمًا باتجاهه؛ فانشرحت أساريره، وبادر إلى سؤاله:
– لمّ لم ترد على مكالمتي؟
– أنا آسف جدًا، لقد نسيت الهاتف في البيت .
– لقد طلبني العميد!
– لمَ؟
– لا أعلم.
– ولماذا أنت قلق؟
– لست قلقًا، ولكنّ هذا الرجل خبيث ومغرور، وعندما يجتمع الخبث مع الغرور فيجب أنْ تقلق؛ وللمنصب سطوته كما تعلم!
– لا تخش شيئًا، اذهب وتوخّ الحذر في كلامك معه، وإياك أنْ يستفزّك في الكلام، فتخرج كعادتك كلّ ما في بطنك دفعة واحدة…!!!
– حسنًا انتظرني هنا، ولا تغادر مكانك أبدًا حتّى لو حصل زلزال في الجامعة.
– سأنتظرك.
غادر المقصف، وذهب مسرعًا إلى مكتب العميد، جلس في غرفة الانتظار والأفكار تدور في رأسه، تطيح به شمالاً ويمينًا، فسرح بخياله بعيدًا، ولم ينتبه إلا والسكرتيرة تخبره أن بإمكانه الدّخول..
التقط أنفاسه، ثمّ ضمّ أصابع يديه بقوّة، اقترب من الباب؛ طرقه ثمّ دخل، فوجده جالسًا على مكتبه أمام جهازه المحمول الذي يرافقه كظلّه أينما ذهب، ويده تمسك بالفأرة …توقّف على بُعد خطوات من مكتبه مركّزًا نظراته على وجهه، وتلك الشّعيرات الّتي تغطيه، والتي منحته هيبة مزيّفة؛ تخدع كلّ من يراها …
ظلّ العميد على جلسته لم يتحرّك، مضت عشر دقائق تقريبًا، فإذا به يقول له:
-لمَ لا تجلس؟
– شكرًا لك، لقد جئت فور أنْ أبلغوني أنّك تريدني.
– اجلس، هل تشرب شيئًا؟
تقدّم بضع خطوات، ثمّ جلس:
– لا أريد شيئًا، شكرًا لك.
وعيناه ما زالتا تحدّقان بجهازه:
– كيف هي دراستك؟
– بخير.
– هل ما زلت منزعجًا من خسارتكم للانتخابات؟
– كلّا، لست منزعجًا.
– أواثق أنت من ذلك؟
– نعم، كلّ الثّقة.
رفع عينيه عن جهازه، ورمقه بنظرات حادّة قائلاً:
– لديّ شك في أنّك تنشر إشاعات بين الطلبة تقول فيما تقوله أنّني أنا السّبب في خسارتكم للانتخابات.
هنا اتضحت الصورة أمامه، فردّ بهدوء:
– الشّك نقيض اليقين، ولا يجتمعان في أمر واحد؛ فهل أنت متأكّد؟
– لو ثبت أنّك أنت من يروّج تلك الشائعات؛ فماذا ستقول حيئنذ؟
– الدليل خير برهان.
– لا عليك، هي مجرد إشاعات، ولأنّي أثق بك أردت أنْ أسألك، فقط مجرد سؤال.
قال ذلك ثمّ أشاح بوجهه صوب الجهاز مرة أخرى، بيما كانت ابتسامة صفراء ترتسم على وجه، ثمّ أردف قائلًا:
– بالمناسبة ماذا كانت نتيجة مباراة برشلونة وريال مدريد الّتي جرت بالأمس؟
– لا أعلم، فأنا لا أتابع مباريات كرة القدم.
– للأسف لقد انشغلت ببعض الأعمال ولم أتمكّن من متابعتها، فأنا أحبّ فريق ريال مدريد، فهو الفريق الملكي الرائع كما هو معروف للجميع، هل سمعت بــ فرانسيسكو فرانكو؟ إنّه هو من حافظ على النظام الملكي في إسبانيا.
أذهله السؤال تمامًا، واختلطت عليه الأمور، فلم يدر بما يجيب، ولماذا سأله هذا السّؤال بالذات، وما علاقة فرانكو بكرة القدم وبه… لكنّه تمالك نفسه:
– نعم سمعت به، فأنا أدرس التّاريخ كما تعلم.
– التّاريخ جميل، وهو مدرسة كبيرة، ومنه نتعلّم أشياء كثيرة، أليس كذلك؟
– هذا صحيح، ولذلك اخترته من بين كل العلوم..
قالبثقة كبيرة، فما كان من العميد إلا أن رفع رأسه، وأخذ يتأمّله بهدوء شديد…
– حسنًا اذهب لمحاضراتك، وحاول أنْ تركّز على دراستك ومستقبلك.
قال هذه الكلمات، ثمّ عاد وصبّ جلّ اهتمامه على جهازه، وكأنّ لا أحد أمامه ” كم أتمنّى لو استحوذ على جهازك لساعة واحدة فقط ” هكذا حدّث نفسه وهو يهمّ بالمغادرة، وقبل أنْ يصل إلى الباب إذا بصوت الإنذار يدوي في الأرجاء، والسّكرتيرة تصرخ ” حريق ، حريق” نهض العميد عن مكتبه واتّجه صوب الباب وفتحه، فإذا بالدخان يملأ الغرفة؛ وعمّت الفوضى المكان؛ صراخ ينطلق من كلّ الجهات، للحظات فكّر بالهروب والنّجاة بنفسه، لكنّه لم يستطع مقاومة رغبته في العودة لإلقاء نظرة على ذلك الجهاز، على الرّغم من أنّ الدخان تسرّب إلى الغرفة؛ وكاد أنْ يملأها تمامًا، رغم كلّ ذلك عاد أدراجه، تمعّن في الشاشة، لم يصدّق عينيه، وبدأ بفركهما محاولًا التّركيز عليها ” معقول… يا إلهي… معقول … “. شعر أنّه على وشك أنْ يختنق، استجمع كلّ قواه وتوجّه نحو الباب، ثمّ سقط مغشيًا عليه…