عندما كان النوم ينادي ليريحني من تعب السهر، سمعت صوت الثلج ينادي: تعال، تعال… لم أصدق للوهلة الأولى أنني استغنيت عن عسل النوم المتراكم من أجل ثلج لا أدري ما طعمه!!. لقد تخلصت من قيود وسلاسل الحياة العبودية، كنت الطائر الذي ترفع صورته في الشعارات والمظاهرات المطالبة بالحرية، كنت الطائر الذي تخلص من قفصه، وكيف تم ذلك؟ فتحه له سيده. ومن هو سيده؟ إنها امرأة نبيلة من طبقة النبلاء تسكن في قصر دراكولا. صدقوني كنت على وشك الكتابة على الحائط أنا حر، أنا حر….، لكن القدر لعب لعبته معي مرة أخرى، إنها المتاهة المظلمة. وأنا في طريقي إلى الثلج لا أرى شيئا، ليلة طويلة وإعدام النوم يقتلوني بي بطئ، لكن ورائي صوت عصفورة جميل لَفت اِنتباهي، اَشعلني، فجرني ثم سحرني وأزال غطاء النوم عني.
اِنتظرت شروق الشمس لأرى وجه الثلج. هاجسي الوحيد كان رؤية وجهه ووجبة فطور شهي، لم أدري أن هنالك ما هو أكبر و أعظم من هاجسي! وردة بيضاء تكلمت بصوت عصفورة الليل وقالت لي: أنا جائعة اَطعمني وجبة فطور شهي.
نظرت إليها، ضوء الياقوت الأحمر واللؤلؤ يخرج من عينيها، عينين براقتين جميلتين فيهما مغناطيس بني يجدب المعادن الثقيلة. خاطبتني بصوت رقيق عذب كزغرودة الشتاء جعلني أنام في تحركات شفتيها الساحرتين. جلست أمامي تتناول وجبتها، تأكل بي بطئ وبي لباقة، ألتقط ومضات عينيها تحدق بي فجأة وتختفي، لم اَلتفت إليها قط لكنني كنت أشاهدها طوال الوقت وأنا اَكلُ بشراسة، جوعان وظمأن لا اصادق الإتيكيت إنه يقتل عفويتي وفي خيالي أريد أن أضعها في طبقي وأن اَكُلهَا. ملئت بطني بالطعام وروحي بالجمال ثم ذهبت إلى الثلج ورميتها بكرة ثلج ولعبت مع الجميع بالثلج، لكنها اَرادت أن ألعب معها لوحدها. ثم اِنطلقنا للتزحلق على الجليد، اِقترضت مزلجة لها، ركبت عليها وبدأت تتزحلق والفرحة تغمر عينيها. تبدوا كطفلة صغيرة، رشيقة وشجاعة، لم تتوقف عن اللعب قط، تصعد إلى قمة الجبل وتتزحلق وتعاود الكرى تلوى الأخرى بلا توقف.
ذكرى تمزق سروالي على المزلجة قبل سنة لم يشجعني على اِقتراض المزلجة والتزلج بجانب عصفورة الجليد. اِكتفيت بمرقبتها وتشجعها إلى أن اِقترح علي بعض الأصدقاء مزالجهم ثم انطلقت مسرعا نحو أعلى قمة الجبل وتزحلقت بسرعة الفهد الأبيض الشمالي وأنا أصرخ بأعلى صوتي لأبعد الجميع عن طريقي. شكلتُ موجة ثلج حولي حجبت علي الرؤية، ثلج فوق رأسي ووجهي. منظر جميل ومخيف وولادة مرح ونشاط الطفولة من جديد، استيقظ الطفل الذي يسكن داخلي من نومه، ثم انطلق مسرعا نحو قمة الجبل ليتزحلق من جديد. اِلتقيتُ بعصفورة الجليد هناك، كانت تترنح على وشك السقوط، بلا شعور قدمت لها يدي، بلا تردد قدمت لي يدها. كانت اللمسة الأولى، لمسة الفهد الأبيض الشمالي لذئبة الجليد، اللمسة التي فجرت البركان العظيم في جبل الثلج، اللمسة التي غيرت قوانين الطبيعة المطلقة.
الزمكان نسبي والضوء الشيء الوحيد المطلق، الساكن والمتحرك بسرعة الكون الذي يسبح في إهليج الكوكب الأحمر، لكن في تلك اللحظة تباطأ الزمان وتوقف الضوء ليجتمع في وجهها، لم اَرى اِشعاعا كذاك من قبل، لم أستطيع أن أدقق أكثر في وجهها المشتعل كشهب من شُهُبِ السماء، كدت أن أفقد بصري أو ربما صرت أعمى وأنا لا أدري!! …أفلتت يدي من يدها وتركتها لتتزحلق وقلت لها: اِرجعي سالمة…… تجمدت في مكاني أراقبها حتى وصلت إلى قاع الجبل ثم رفعت رأسي إلى السماء وغوصتُ في سُحبها أتأملها، كانت مشعة وصافية، أرادتُ أن أصرخ، صرخة قوية، صاخبة، صرخة الفهد الأبيض الشمالي …ثم سمعت صوتا ينادي اِسمي، صوت حنون، عذب و بريء، صوت اِمرأة…..لكنها اِمرأة أخرى!
اِلتفتُ إليها، وجدتها جالسة على مزلجتها، قرأت في ملامح وجهها خوف ممزوج بخجل قبل أن تنطق بكلمة، ثم قالت وهي متبسمة: ……. أريد أن اتزلج معك. لم استوعب طلبها هذا !!.. بأي صفة سأتزلج معها!!… وضعت صندوق أسئلتي اللامتناهي جانبا وقلت لها: هل تقصدي أن نتزلج معا على مزلجة واحدة !!… بي براءة قالت: أجل، نعم، نعم… أجبتها بصوت متلعثم: اسف لا أستطيع، رأيت في وجهها خيبة طلب بسيط مرفوض، ثم قالت لي: اَرجوك، فأنا أريد فقط أن اَتزلج من أعلى الجبل، لكنني خائفة ولا أريد العودة بدون خوض هذه المغامرة، اَرجوك، اَرجوك يا ………،
قلت لها: (الحقيقة التي كانت في خيالي) إني أخاف عليك جسدي الضخم وعظامي القوية من السقوط.
قالت لي: سأجلس أنا في المقدمة إذا ارادت، أريد فقط أن أتزحلق، ارجوك !!….. غريب اقتراحها هذا !! حيرتني حقا !!. لكن الحقيقة أنها اِمرأة بريئة أو طفلة، نعم طفلة تريد أن تتزحلق من أعلى قمة الجبل، لكنها أيضا يافعة والدم الساخن يجري في جسدها مما جعلني متردد من التزحلق معها، رفعت رأسي إلى السماء وأنا أفكر وأقول في خيالي الأول ما هذه المصيبة !! ويقول خيالي الثاني: لا تحرم هذه الطفلة من لعبتها، أجل لعبتها والتي أنت جزء منها أو ربما أنت من يملك جهاز تحكم هذه اللعبة.
ثم نظرت إليها، كانت تشاركني النظرة بعينين منفتحتين فيهما خيبة أمنية وبريق أمل مشتعل يكاد ينطفئ. ثم قلت لها بصوت معتدل وقوي: حسنا، هيا بنا، هيا لننطلق. قفزت من فوق مزلجتها والفرحة تتطاير من وجهها، جلستُ في المقدمة لأقود العربة و قلت لها: تمسكي جيدا. شدت يديها فوق بطني بقوة ثم انطلقنا بسرعة جنونية ونحن نصرخ حتى دخل الثلج في أفواهنا، لا نرى الطريق، شكلنا موجة ثلج ضخمة غطت أجسادنا بالثلج. كانت أجمل وأخطر زحلقة قمت بها، كنا في دروة السعادة، اَرادت أن نكررها، لكن قلت لها: لا ارجوكِ….أريد أن أجعلها النهاية لأتذكر روعتها.
في قاع الجبل بدأنا نصرخ ونحتفل بي الزحلقة الأسطورية ونتحدث عن شعورنا وهي تنفض الثلج عن جسدي وأنا أنفض الثلج عن جسدها، ثم رأيت ذئبة الجليد أمامي، ببراءة غبائي طلبت منها أن تأخذ لنا صورة بعدستها ونحن نمسك بالمزلجة لنجعل منها ذكرى لا تنسى…..ردت قائلة: اَسفة لا أستطيع. قلت لها: لماذا ؟….. نظرت إليها بنظرة غيورة وقالت: لأنني لا أعرفها. أدركت حينئذ أننا ووحوش اِفترسنها، أنا أكلت كبريائها المشوي بالبخار فوق الجبل وهي قطعت مشاعرها إلى فتات صغيرة في قاع الجبل باسمِ لا شيء، أو بالأحرى ذلك الشيء لا يرى، إنه العائق.
أخرجت عدستي من جيبي وقدمتها لها، نظرت إلي وكأنني أطلقت عليها سهم روبن هود الخارق وأصبت عدسة قلبها الوردي الهائج. أخدت لنا صورة وقالت لي بنبرة حزينة: صورة جميلة…. قلت لها: شكرا، ثم انصرف كل واحد إلى حاله.
في طريق العودة، عصفورة الجليد جالسة ورائي، نناقش بخشوع الفنون الجميلة والجمال والموسيقى، ثم كتبت لي قصيدة شعرية من تأليفها في مذكرتي. قرأتها وأعدت قراءتها، لا أتذكر كم من مرة كررت قراءتها، لكنني رفعت رأسي على مذكرتي حتى محصتُ حروفها وكلماتها، اِستسلم عقلي لخشوع صوفي في تحليل ما وراء السطور، كنت أبحت عن أنا، أين أنا ؟….. أدري أنه يختبئ خلف كلمة من كلمات القصيدة. لكن أيهما ؟ …طال بحتي، لكن لا يهم ما دام أنني فهمت القصيدة، ويا لَيتني لو فهمت شيئا ! وهل سراب دخان الثلج يرى في جبال الأطلس !!….. قالت لي: هل أعجبتك القصيدة ؟
قلت: نعم، نعم رائعة…… اَحقا !!….. أجل رائعة جدا….. هل أكتب لك أخرى؟ …. أجل، بكل سرور.
أخدت مذكرتي وكتبت قصيدة أخرى من تأليفها أيضا، أقل كلمات من الأولى وأكثرها حزنا، تاعسة هي نهايتها كروعة كلماتها وتناسق قافيتها. قلت لها: أنا قاص هاوي أهوى كتابة القصص، هل ترغبين في سماع قصة أكتبها ؟…… أجل، نولني المذكرة……. لا سأقرأها عليك بصوتي أفضل. لأنني أُؤمن بأن صوت الكاتب يخترق لحم القلب ليس كصوت القارئ الذي يصطدم بغشاء الطبل. ترددت كثيرا في أن أقرأ عليها القصة، كانت تُلح أن تقرأها بنفسها لسبب أجهله، ربما كانت هي الأخرى تريد البحت خلف كلمات القصة عن الأنا الخاص بها !! لكن الحقيقة أنها ليست قصتها، إنها قصة ذاكرة مفقودة وسروال نوم مختفي، لا وجود للعصفورة في القصة، وذلك الكوكب ليس بكوكبها، إنه كوكب ليلي أسود. أما كوكبها فهو وردي اللون يتكاثر فيه شجر الكاكاو والورود القرمزية مع كل ابتسامة تحرك فيها شفتيها الساحرتين.
بدى إعجابها واضحا بالقصة عندما قرأتُها، كانت تنصت ولا تستمع، كانت في غيبوبة تحاول جاهدة فهم القصة، لكنها قصة لا تفهم، يفهمها فقط أمثال إبليس ورمسيس وأولياء الله في الليل، وتخاطب قلوبهم لا لغتهم لأنهم أميون لا يوجدون القراءة والكتابة.
غربت الشمس مغربها ونزل الظلام الحالك علينا، والطريق ما زال طويلا. أنا متعب جدا أريد أن أنام على فراشي، لكن في خيالي لا أريد للطريق نهاية. العصفورة قدمت لي بطانيتها لكي أنام وتقوم هي للرقص فوق رأسي. لكن كيف سأنام وعصفورتي لم تغني لي أغنية النوم بعد!! كيف سأنام وأنفي جعل جسدي يقاوم تعب النوم ودفئ البطانية ليشتم رائحتها !!
رائحة جميلة وعطرة. أنفاسها خليط من المسك والياسمين. سعادتي أكبر من أن توصف، سعادتي جنة.
وكيف لا تكون جنة !! عندما طلبت منها أن تغني لي أغنية من اختيارها، اِخترت أغنية شرقية رومانسية، اَطربت سمعي بها، صوتها طرد الشيطان الذي يسكن داخلي لِتنزل علي السكينة، حلمت أنني في حوض الكوثر أستحم وفي حمام الفردوس أتوضئ بالماء الساخن. وهل يتحول الماء الساخن بعد الغليان إلى جحيم يا لصة القلوب !! …. بعد اِنتهائها من الغناء تحدتنا عن الشكولاتة وموسيقى القيثارة والألوان الجميلة وفاكهتها المفضلة، الإجاصة….. رسمت في خيالي لوحة سريالية تجمع الأشياء الجميلة، ولو كانت في يدي ريشة ولوحة لرسمتها في تلك اللحظة رغما أنني لا أتذكر متى اَخر مرة لمست الريشة يدي ولا أملك مهارة دافينشي لأرسم لوحة جميلة. إلا أنني كنت سأغامر، هذه طبيعتي فأنا رجل مغامر لطالما غمرت بأموالي، مستقبلي، حياتي وحتى سُمعتي. أخرجت إجاصة من حقبتها، عضت منها وأعطتني إيها وأخدتُ عضة ثم نظرتُ إليها، بدت لي كإجاصة مضيئة. أحب التين والزيتون، أعشق الخوخ والبطيخ الأصفر ومجنون بالكاكي. لكن جميعها فواكه محرمة، الإجاصة فقط أصبحت فاكهتي الطازجة.

أضف تعليقاً