لم تكن تجد لقمة واحدة لتسدّ بها ثقوب الجوع التي بدأت تنز من أفواه أبنائها
بعدما يتمهم البؤس وأخذ أباهم في حادث سيارة مفاجئ ..
قال لها المحامي ،وهو يلعق في ريقه: لا يمكننا فعل أي شيء فزوجك تعمّد أن يضع جسده على الطريق السيَّار وهو غير مؤمَّن على روحه ,
فالقضية التي تريدينا رفعها خاسرة، كما أنك لا تحوزين المال الذي يمكنني من التكفل بقضيتك إلا إذا أردت أن تريحي نفسك وتريحيني بشيء آخر، فلا يمكن لمن تمتلك هذا الجمال أن تجوع ، ولا أن تتعب نفسها وراء فتات التعويض .
حدقت في وجهه الجليدي وهو يبصر شق الصدر بشهوة جائع فقد وعيه، أدارت وجهها عنه والحزن في محجريها قاطرة تعبر بلا توقف دافعة وجه الباب في وجهه..ترى هل يعرف هذا السيد أنني لن أساوم بجسدي ولو مت جوعاً على أرصفة المدينة وإن كان زوجي قد تركنا بلاشيء لأنه لم يكن سوى حمَّالاً بسيطا يتتبع شاحنات تجار المدينة لإنزال بضائعها ، ليعود في نهاية مساءه واضعاً تلك القروش التي بالكاد تسدّ الرمق في يدي. ما كان ليسمح لي لو كان حيّا أن أعبر بأبنائه نفق العار، ولكن ما عساي أفعل وكيف يمكنني إطعام جيوب جوعهم التي تمزقت مرة واحدة في وجهي، و أي طريق يريدني أن أسلك؟

دارت بها الدنيا, وضاق بين ناظريها أفق العالم وهي تدفع بخطواتها في اتجاه شارع المدينة الكبير، قالت لها جارتها الميّسرة: لا يمكن لك البقاء دائما وأنت تقتاتين على فتات موائدنا فنحن أيضاً
أصبحنا بحاجة لتلك الفضلات لنطعمها للكلب الذي جاء به زوجي، لهذا ابحثي عن مكان آخر وأنصحك أن تنهضي غدا باكراً وتذهبين لأخذ صدقة عاشورة فغدا سيوزعها تجارة المدينة.

مازالت ترمي في خطوتها وألم الجوع يقدُّ أحشاء أبنائها الذين باتوا بالأمس في عراء الجوع وهاهو اليوم الثاني يمر دون أية كسرة خبز يمكن أن تسدّ بها رمق فلذات أكبادها وحتى وإن تحصَّلت على طعام اليوم كيف ستتدبر طعام الغد والذي يليه؟؟

تتالت تلك الأسئلة الجارحة في ذاكرتها وهي تبصر من مسافة بعيدة طابوراً من بؤساء المدينة، يقهرهم الوقوف وهم يتدافعون على أخذ تلك الصدقة التي طالما كانت تسمع بأنها حقٌ للمساكين والفقراء, وأبناء السبيل ..

ترى هل ستطلب حقاً أم ستتسول هذه الصدقة؟ سارعت لأخذ مكاناً ضيقاً بينهم ، أدارت على وجهها شالها الرمادي مغيبة كل ما يمكن أن يُعَِرف بملامحها التي لم تعبر ربع العمر، أحست بضيق وهي تسمع همس البؤساء وشكاويهم ، وعراكهم على الطابور، تدافعت معهم حتى وصلت إلى الرجل الذي بدا مبروم الشارب منتفخ البطن.. نظر إليها نظرة غريبة وهو يحاول استدراج ملامحها ، وحينما همّ بمنحها تلك الورقة الحمراء من فئة الألف دينار بادرها بسؤال عن سر إخفاءها لوجهها :- ألا تكشفي عن وجهك سيدتي ، لا يبدو أنك مما تستحقين هذه الصدقة.
قالها راميا يده ليميط عنها شالها الرمادي ..
جذبت جسدها لتتراجع خطوة وفي عينيها صورة التوجع الذي يسكن غضاريف صغارها:-

انتظر سيدي أنا أحضر لأول مرة إليك ، ولكنني في أمسّ الحاجة كي أطعم صغاري.

قالتها وهي تكشف له عن وجهها، أحس بتقلص الدم في ساقييه، لكنه سارع لإخفاء افتنانه بها

دفع أول رجل قابله في ذاك الطابور ليفتح لها طريقاً للعبور، وهي لازالت مسكونة بدهشة ما يرمي إليه هذا الرجل، وحين مدّ يده لها وهو يناولها تلك الورقة شدَّ على أصابعها فأحست بتكهرب مؤلم
: دون مشكلة سيدتي خذي الآن هذا المكتوب وتعالي مساءً لتأخذي أكثر فنحن لا يمكننا أن نمنح أكثر من هذا سوى لأولئك الذين نتيقن أنهم مما يستحقون هذه الصدقة.

أخذت تلك والورقة وراحت تدعكها بتوتر وهي تبصر أبنائها يزحفون على برودة البلاط.
ابتعدت وفي سرِّها وجع السؤال عن مساء هذا اليوم هل ستبقى وفي روحها ذاك الجدار أم ستنهار في عينيها كل الخطوط الحمراء وتسلم جسدها لينموا عود الحياة في جسد أبنائها الذين سمعت صوت جوعهم وهي بعيدة بمسافات عن بيتها ..

أضف تعليقاً