جلست أنتظره بالمقهى القديم بآخر شارعنا لفترة طويلة … لم يكن من عادته أن يتأخر عن مواعيده الثابتة .. أجده دائما في الركن القصي من المقهى عقب صلاة العشاء يوميا .
مالذي أخر عبد المعبود البركاوي اليوم يا ترى ؟ ظل السؤال يدور في ذهني لفترة وحاولت الإتصال به ولكن هاتفه مغلق .. إنتهيت من إحتساء كوب الحلبة بالحليب الذي أحضره عمروط صبي القهوة كما يفعل عادة حينما يلاحظ وجودي بالكرسي المعتاد والذي لم أغيره من عشر سنوات على الأقل ..
جاء مسرعا كأنما يتقافز كمن يريد اللحاق بموعد مهم .. متهلل الوجه مبسوط الأسارير على غيرعادته في السنة الأخيرة .. اندس بالكرسي الخيزران وأخذ صدره يعلو ويهبط محاولا لملمة أنفاسه استعدادا لمعركة ..
هدأ قليلا وأخذ يرتشف شايه الذي قارب أن يبرد وأخذ نفسا عميقا ولمعت عيناه ببريق المنتصر وإرتسمت ابتسامة غطت كل وقسمات وجهه .. وفيما أنتظر أن يتحدث رحت في تذكرأحوال حياته خلال العام الفائت ..
إنتابه إحساس بالقهر والنكد وقلة الحيلة ملأ كل حياته .. قلبها من حياة سلسة لايعكر صفوها أي شئ مهما كان .. دائما متسامح هادئ مبتسم .. كل شئ بالنسبة له يتركه على الله .. متمسكا بدينه ولايفوته فرض في المسجد .. كان سمحا بيعا وشراءا ولاتفارقة كلمة عالبركة .. حتى ولو كان الاتفاق مجحفا .. وكنا نضحك من الكلمة من فرط إستخدامه لها .. ولذالم ينزعج كثيرا حينما أسميناه البركاوي .
حتى حدث له ما حدث …
بدأ الحديث متسائلا : هل تذكر حكاية توقف البناء بسبب الرخصة ؟
أجبته نعم أذكرها .. ما الجديد إذن ؟
أبو أسامه مهندس الحي أعادوه إلى عمله مرة أخرى .. و سوف تصدرالرخصة غدا إن شاء الله .. لقد وعدني بذلك … ثم استطرد يحكي الحكاية ..
كنت في طريقي لدخول المسجد لصلاة العشاء كالعادة .. فجأة سمعت صوت خلفي على الباب يناديني واذا به أبو أسامه مهندس الحي .. أكيد تعرفه وتعرف قصتي معه .
أومأت له بالإيجاب وصمت لكي يكمل دون أن أقاطعه .
فاجئني الرجل بالآحضان وبكاء مرير وشكوى لما حدث له من تحقيقات وإيقاف عن العمل .
كررالرجل أكثر من مرة أنه يشك أن جيراني هم من أبلغوا عنه ..
وأقسم ألف مرة أنه لم يذكر إسمي قط في أي تحقيقات .
وفي الأخير فاجأني بطلب خمسة الاف جنية لإنهاء الرخصة .. وأن أعتبر كأنهم صدقة .
ظللت أستمع له حتى جملته الأخيرة لم أستوعبها تماما .. فاندهشت جدا وسألته مستنكرا :
– وماذا قلت له ؟أخشى أن تكون قلت له …
رد بسرعة قبل أن أكمل جملتي وبهدوء شديد قال :
– انا لاأريد أن أدخل في ( حيص بيص تاني ) .. في المرة الأولى قلت في سري وهو يأخد المبلغ ( بالسم الهاري ) .. لكن النتيجة أنها جاءت ضدي وأنا من تضرر منها .. هو تعرض لسين وجيم وقد توقفت المباني وتوقفت معها كل مصالحي .
أكمل روايته بصوت ضاحك لفرط فرحته :
– وافقت طبعا وقلت له .. على البركه .. ههه بل دعوت له بالستر أيضا .. انتظرني حتى انتهيت من الصلاة .. وذهبت للمنزل وأعطيته المبلغ وها أنا ذا أمامك مبسوط وسعيد .
أنهى حديثه وأنا غارق في افكار عجيبة عن أشياء غريبة لم أستطع البوح بها .
- عالبركة
- التعليقات