غيمة سوداء كبيرة تسد عين الشمس. . تتموج صعوداً و نزولا ولا تستقر على حال.مكونة أشكالا غريبة وعجيبة لا يمكن أن يتبين الرائي حقيقها من بعيد. مسح ذلك الفضاء الفسيح بنظرات شاردة كالردار وقال:
_ أتعرف يا ولدي يا ولدي حقيقة هذه الغيمة السوداء إنها أسراب الزرزور .فقد حل ببلادنا هذا العام مبكرا وهو علامة خير وتباشير عام جيد ..ستتفتق الأزهار والرياحين وفي غنج اثثوي ستلبس الأرض ازهى حللها ..سيغرد الشحرور تغريدةا لربيع الجميلة. .وستحبل الحقول بالسنابل الثقيلة. وترقص على نغمات الجنادب والحشرات.سيحل الربيع مبكرا .
لقد عودتنا الأعوام الطويلة غلى ذلك. ..أتعرف يا ولدي ان هذة الاسراب كانت تأتينا جرادا فتفتك بالمحاصيل وتهاجمنا كالسيول الجارفة فتتركنا عرضة للجوع لسنوات. ترك يدي التي كانت بين قبضتيه للتو وركع على ركبتيه وملء قبضته بحفنة تراب اشتمه وأخذ نفسا عميقا. وقال :
-الأرض يابني هي العرض !! ومن لاأرض له لا عرض له ،لا يفرط فيها إلا ناكر النعمة وجاحدها، الأرض، .الأرض تمتم بها عدة مرات حتى التوت في في فمه وشرد ذهنه بعيدا أحسست أن أبي يحمل بين ضلوعه سرا مهما لم يجرؤ على البوح به لي فأنا أعرفه جيدا. .وأعرف ما تنطوي عليه سريرته، كيف لا وهو أبي وانا ابنه وكلانا يعرف الآخر.:
-أترى تلك الحقول المترامية هناك وتكاد تحجب عين الشمس وتلتصق بها تلك البيوت الطينية الترابية كالقراد أو النعر بأ جساد الدواب !؟
-نعم يا أبي إنها حقول كبير القبيلة وشيخها أليس كذلك؟
قهقه أبي حتى كاد يستلقي على قفاه. وقال بنبرة ساخرة مبطنة بحقد دفين :
-متى كان اللصوص اسياد قوم؟ متى كان العملاء كبراء؟ متى كان الخونة أصحاب أرض ؟!
-ماذا تقصد يا أبي والله إن الفار بدأ يلعب في داخلي !
-هذه الحقول حقولنا وهذه الأرض أرضنا ..لكننا فرطنا فيها يا ولدي !
-كيف يا أبي ألم تربينا على أن من يفرط في أرضه يفرط في عرضه وأن الإنسان يحيى أو يموت من أجل الأرض / العرض .كنت تعطينا أمثلة بالذنبة التي تذوذ عن عرينها
حتى الموت.وأن النملة تعتز بثفب الأرض.فما بالك بنا نحن بني البشر !
-تلك قصة قديمة تعود لأربعينيات القرن الماضي .كلما تذكرتها أشعر بانتفاخ لايطاق في قلبي و بالدوار و الغثيان ، تلافيف دماغي تصبح كالأمعاء الرقيقة في مرجل ساخن !!
وما دمت تصر يابني على سماعها سأحكيها لك ،ونحن في طريقنا إلى البيت ·
كان الليل يتربص بالأرض والشمس تلقي آخر نظرة على تلك الحقول المترامية والتي لا يحدها البصر..وكانت خيالات الأشياء تتمدد نحو الشرق معلنة عن قدوم الطلائع الأولى للليل البهيم إنها سويعات الغروب نهض أبي بصعوبة ملحوظة بعدما ساعدته على ذلك. .شرد ببصره بعيدا ..وقد انحدرت بلورتان زجاجيتان كبيرتان على خذه !
– اسمع يا أبي اسمح لي لم أرد أن أوقظ الحزن الكامن في دواخلك ،لا أرغب في استفزاز عش البور في أعماقك ، أريد فقط أن أعرف لماذا فرطتم في أرضكم؟!
-من حقك يا ولدي أن تعرف ماضيك .فمن لا ماضي له لا حاضر ولامستقبل له. .إحياء الذاكرة واجب مقدس بني !
-أنا يا أبي لا أفرط في أرضي مهما كان الثمن !!
-اسمع ياولدي لوخيرت بين الأرض وحياة أبنائك ماذا كنت ستختار ..إنها معادلة صعبة يا ولدي .!!
-لا أتمنى أن أوضع فى هذا الموقف. وإذا وضعت فيه قصرا سأحتفظ بالأرض مهما يكن الثمن. هذه وجهة نظري وإن كنت لست واثقا مما أقول !!
_طبعا يابني لأنك لا زلت لم تعرف بعد طعم الأبوة .لم تر أبناءك يموتون الواحد تلو الآخر جوعا .هل عشت الجوع يوما قايضت روحك وأرواح إخوتك يا ولدي بالأرض .سأحكي لك يابني هذه القصة وعند ذلك أحكم قبل أن تكيل لي هذا العتاب الذي يوقض مواجعي.
درستم في كتب التاريخ أن الأربعينات من القرن الماضي كانت أحلك فترة من تاريخ بلادنا .أحكم الاحتلال قبضته على البلاد والعباد ..وعاث في الأرض فسادا.ودمر حقولنا .وأحرق الزرع. .وفتك بالضرع. ودس بيننا الخونة والعملاء من بني جلدتنا بعدما أعدم أحرار الأمة. تتالت السنوات العجاف.وهجمت أسراب الجراد من كل حدب وصوب لتطلق رصاصة الرحمة على ماتبقى من تدمير الاحتلال.نضبت الجداول واختنقت السنابل في أغمادها. .ونفقت المواشي.انها سنوات الجوع (بو هيوف ) الموت يتسلل للبيوت خلسة فيختطف الأرواح بالعشرات بل بالمئات أصبحنا يا ولدي لا نستطيع حتى دفن أمواتنا. .فانتشرت روائح الموت في كل قرية وفي كل دشر فلم تعد تسمع إلا نواحا خافتا لأم مكلومة أو آب مفجوع. ..تخلى الآباء عن أبنائهم وحلقت النساء رؤوسهن اتقاء شراسة القمل الذي كان ينهش تلك الأجساد الميتة أصلا.اختفت المواد من الأسواق وعمت الفوضى وساد قانون الغاب ياولدي !
-لكن يا أبي ما علاقة هذا بكبير القبيلة ؟!
-كبير القبيلة لم يكن إلا عميلا ومن الخونة الذين خدموا مصالح الاحتلال مقابل كتمان أنفاسنا.وامتصاص دمنا ،عينوه شيخ القبيلة ليكون عينا من عيونهم المفتوحة ترصد
أي تحرك شعبي محتمل . كبير القبيلة يا بني قطع الأرزاف واحتكر السلع في مخازنه فقد حرمنا حتى من ذلك الثالوث المقدس ( الخبز..الشاي.الزيت ) .تحكم في كل شيء.وأصبحت بعد الله أرواح أبنائنا بيده لما ضاق بنا الحال ياولدي قصدنا بيت هذا الكبير نستجدي مانقاوم به الموت جوعا.أتعرف ماذا فعل ؟! أنجز عقودا مسبقاكنا مجبرين على توقيعها :القنطار من الشعير يعادل فدان أرض.أما من أراد الدرة فعليه أن يتنازل على فدانين لفائدة هذا العميل وبذلك تمكن من امتلاك جميع أراضي القبيلة. .مقابل كسرة خبز حافية. وعندما فقدنا يا ولدي أراضينا حولنا إلى عبيد نخدم أرضنا الضائعة وأما نساؤنا
فقد أصبحن خدما عنده في بيته مقابل. كسرة خبز جاف ·
عرفت الآن قصة هذه الحقول الممتدة على مد البصر .غصت في تفكير عميق نقلني على أجنحة الماضي وانا أتخيل محنة وطني .وأهلي من الشمال إلى الجنوب
وماقدموه من تضحيات في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ المغرب الحبيب ..انتشلني أبي من أفكاري وكأنه
يقتلعني من حفرة عميقة القرار ، وهو يهرول في سرعة من أمره و هو يقول:
-أسرع ،اسرع ،يا بني ستفوتنا صلاة المغرب !!
تبعته بخطأ تقيلة وانا أردد. .لنعيش الحاضر لا بد من نبش ذاكرة الماضي فمن لا ماضي له لا هوية له ، لا ذاكرة له.!!

اهدي هذه المحاولة المتواضعة إلى جيل الأربعينات، إلى كل الذين ذاقوا مرارة الجوع والظلم …واندد بكل عملاء الاستعمار والاحتلال الغاشم في أي منطقة.

أضف تعليقاً