(1) الحادث
في شرفة منزله الواسعة بحي المعادي الراقي جنوب العاصمة، جلس المحامي الشهير صالح نعمان كعادته صباح كل خميس -وهو يوم إجازته الأسبوعية-، يتصفح الجرائد، ويرتشف على مهل فنجان القهوة التركي، الذي أعدته له زوجته عُلا، وهو يهز رأسه منتشيًا بالمذاق الرفيع.
كان صالح محاميًا شهيرًا بالنقض، وقد اكتسب شهرته من دقته في اختيار قضاياه الجنائية التي تخصص فيها، فكان لا يدافع إلا عن بريء قد اقتنع ببراءته، وكم رفض من دعاوى عُرضت عليه، مقابل مبالغ مغرية يسيل لها لعاب الكثيرين غيره. وقد كانت مرافعاته محلّ اهتمام الوسط القضائي، حتى إن البعض اقترح عليه تجميعها في كتاب لتدريسه لطلبة الحقوق.
أما زوجته عُلا فكانت أستاذًا للغة العربية بكلية التربية، وكثيرًا ما كانت تعترض على صياغات زوجها رفيعة المستوى، وترى أنّ ألفاظه الفخمة وأسلوبه الأدبي الراقي، بعيد بعض الشيء عن صرامة اللفظ القانوني وجفافه، وهو السبب ذاته الذي كان يستند إليه زوجها في التمسك بأسلوبه الفذ وألفاظه السامقة.
كان الهدوء يخيم على المكان، والليل يجرُّ آخر ذيوله مؤذنًا بالانسحاب، ليُفسح المجال لفجر يوم جديد، تتمطى أشعة شمسه على استحياء، كأنما تخشى أن تقطع على الرجل خلوته. وكان الربيع قد مسّ الأشجار والأزهار بعصاه السحرية، فاكتست الحديقة حللًا زاهية من الجمال الأخاذ، وانتشر عبير الياسمين فملأ الجو بشذاه المنعش، لتتكامل أمام ناظريه لوحة فريدة من الجمال الكوني البديع.
وبينما صالح منهمك في التهام السطور بعينيه، إذا بيد رقيقة تجذب الجريدة من يده برفق، وصوت ناعم يخاطبه في عتاب:
– صفحة الحوادث مرة أخرى يا صالح؟
التفت صالح إلى زوجته بابتسامة ذات مغزى، وقال وهو يستعيد الجريدة منها برفق:
– نعم يا عزيزتي! إذا كان أغلب الناس ينفر من هذه الصفحة ويتشاءم منها، فأنا على العكس أحب مطالعتها، لأشعر بنعمة الأمن والسلامة التي نرفل فيها، وقد حرم منها غيرنا… ثم إنّ هذه الصفحة من الأهمية بمكان فقد قرأت أنّ مخابرات بعض الدول تعكف على تحليلها وتخرج منها بنتائج مذهلة عن تركيبة السكان وحالة المجتمع الاقتصادية والتوزيع الجغرافي للطبقات العليا وغيرها من المعلومات، بل إنّ مطارًا تم دكه من قِبل دولة معادية بعد نشر نعي لأقارب أحد الضباط العاملين فيه ثم إن صفوة المجتمع لا يقر لهم قرار حتى ينشر نعي موتاهم في صورة معينة في جريدة بعينها…
قاطعته علا، وهي تختلس النظر إلى السطور من بين أصابعه:
– أم هي طبيعة المهنة تغلب عليك يا عزيزي؟
واشتركا في ضحكة هادئة، زاد من هدوئها حرصهما على عدم إيقاظ الصغيرين، المستغرقين في أحلام لذيذة، ولم يحن بعد موعد صحوهما.
وقعت عينا علا على عنوان جانبي لحادث تصادم مروع، بسبب شبُّورة غشيت الطريق الصحراوي طوال الليل، أدى إلى مصرع وإصابة العشرات نتيجة السرعة وانعدام الرؤية. حوقلت في ألم واسترجعت، وتأثر زوجها لتأثرها، وكاد يُنحّي الجريدة جانبًا، غير أنها أشارت إلى تفاصيل الخبر وهي تقول:
– صحيح أنَّ كل شيء مقدر ومكتوب، ولكني أتعجب من رعونة البعض في قيادة السيارات، واستهتارهم بأرواحهم وأرواح الآخرين!
– في مثل هذه الأجواء يا عُلا تكثر الحوادث، ولا ينفع معها مهارة أو حرص؛ فإنّ الحذر لا يُنجي من القدر!
– لكن يا صالح علينا أولًا الأخذ بالأسباب، ثم الرضا بالمكتوب.
– نعم! ولقد سمعت فتوى لعالم جليل، سأله أحدهم وقد كان يقود سيارته بعائلته، فوقع لهم حادث نجم عنه مصرعهم جميعًا ونجا هو، وكان يسأل هل عليه دية القتلى؟
– وبماذا أجابه العالِم؟
– قال إنْ كان قد أخذ بالأسباب قبل السفر: ففحص الإطارات، والسيور، و الفرامل، والزيوت، والماء، واطمأنّ إلى السلامة العامة للسيارة، ثم وقع الحادث، فهو قضاء وقدر لا يد له فيه، وليس عليه شيء.
– وإن لم يفعل؟
– حينها يكون مقصّرًا، ومسئولًا عن القتل الخطأ، وعليه أن يُخرج ديتهم!
– العجيب أن أكثر الناس لا يعلمون هذا، ويحيلون كل الحوادث على القضاء والقدر، دون أن يخطر ببال أحدهم قطّ، أنه مسئول عن قتل نفس أو عدة أنفس، وهو لا يشعر!
قالت ذلك واستدارت إلى بعض شأنها، بينما أعاد صالح قراءة الخبر في أناة، حتى إذا وصل إلى أسماء الضحايا، وثب فجأة كمن لدغه ثعبان، ورفع يده إلى جبهته وهو يغمغم متألمًا: يا إلهي! سعيد الشايب، وجميل نصر الله؟!
اللهم لطفك ورحمتك!.

(2) انحراف
رجع صالح إلى منزله في الليل متجهمًا، استقبلته زوجته عُلا في ترحاب، ساعدته على استبدال ثيابه، لم تنبس ببنت شفه احترامًا لمشاعره، فقد كان عائدًا لتوه بعد حضور جنازة صديقيه: سعيد الشايب وجميل نصر الله، وتأدية واجب العزاء لأسرتي الفقيدين.
بعد الحمّام الساخن، والعشاء الخفيف، الذي جمع أسرة صالح الصغيرة -زوجته وولديه-، راح المحامي يقصّ عليهم قصة صداقته، التي كتبت خاتمتها الأليمة بالأمس. قال:
– كنا ثلاثة أصدقاء لا رابع لنا، بمجرد استيقاظنا صباحًا نجتمع في بيت أحدنا بالتناوب، ثم ننطلق معًا طوال النهار وجزءًا من الليل، ولا يفرقنا إلا النوم، جمعت بيننا الجيرة والدراسة بمراحلها المختلفة حتى أنهينا الثانوية العامة بتفوق، كان الجميع يحسدوننا على الصداقة التي تخطت أخوة الدم، حتى نزغ الشيطان بيننا وفرقنا بددًا…
سكت صالح ليسترد أنفاسه، وكأنه عائد من رحلة عبر الزمن، استرجع فيها ذكريات أربعين عامًا مضت، بينما وثب عبد الله ذو العشر سنوات، يصيح في إلحاح:
– أرجوك أن تكمل يا أبي… ما الذي فرق صداقتكم الفريدة، التي فاقت في متانتها أخوة الدم؟
تنهد صالح بأسى وقال ببطء:
– تعرّف سعيد وجميل إلى بعض رفاق السوء، الذين جرّوهما إلى ارتياد الملاهي الليلية، ومعاقرة الخمر، وتعاطي المخدرات…
نظرت عُلا إلى زوجها بقلق بعد أن تصفّحت وجه عبد الله ومنى، ففهم أنها تخشى من تأثير هذا الكلام على عقلي الصغيرين، لا سيما وأنّ منى الكبرى لم تتجاوز الرابعة عشرة. أدرك صالح مغزى نظرات زوجته، لكنه طمأنها قائلًا:
– لا بأس يا عزيزتي، هذا الجيل يختلف تمامًا عن جيلنا… إنهم يسبقون أعمارهم بسنوات، بفضل النت ووسائل الاتصال الاجتماعي والفضائيات والمحمول، إنهم يجوبون العالم من البيت!
ضحك عبد الله مؤمنًا على كلام والده، في حين غضّت مُنى طرفها حياءً، وإن كانت لم تعترض!
واصل صالح حديثه:
– أهمل سعيد وجميل الدراسة، وانزلقا إلى عالم الإدمان المظلم، وأصبح أكبر همهما تدبير المال من أي طريق، للإنفاق على الفتيات وشراء المخدرات…
سألت مُنى:
– ألم تجرب نصحهما يا أبي؟ فأنت صديقهما الحميم والأقرب إليهما!
– حاولت يا ابنتي كثيرًا ولكن هيهات! كان الزّمام قد أفلت، واتسع الخرق على الراتق! ثم إنهما للأسف حاولا استدراجي معهما من حيث لا أشعر، للمستنقع الذي تورطا في أوحاله! وصدق من قال: إنّ الصاحب ساحب! وأحيانًا تستدعي الحكمة الانسحاب، حين يزداد المدُّ ويخشى المرء على نفسه من الهلاك.
عادت مُنى تعقب:
– لقد درسنا حديثًا شريفًا عن تأثير الأصحاب معناه: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل”! وضرب لنا المعلم أمثلة من الحياة لحالات، استطاع فيها أصحاب صالحون انتشال أحدهم من ورطة انزلق إليها، ليتعاونوا على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان.
– نعم يا مُنى! لقد نُهينا أن نكون عونًا للشيطان على إخواننا، وأنّ مَن زلّ منهم لا نردم فوقه الحفرة، بل نمد إليه يد المساعدة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
تساءل عبد الله بتردد:
– وكيف نجوت أنت يا أبي من هذا المنزلق الخطير؟
ابتسم صالح بأسى وقال:
– الفضل لله وحده ثم لتربية أبي رحمه الله… لقد عصمني الله بظروفي العائلية الحرجة، فقد فرضت عليّ وفاة أبي المفاجئة، الاضطلاع بمسئولية الإنفاق على أمي وإخوتي. فشغلني همُّ العمل المضني لإعالتهم، مع تكاليف الدراسة والغلاء المتواصل…
قالت عُلا:
– سبحان الله! عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم… قد يجعل الله في طيّات المحنة منحة، ورُبّ ضارة نافعة! إنّ انهماكك في العمل والدراسة كان حائلًا دون سقوطك فيما هوى فيه صديقاك اللذان اجتمع عليهما الفراغ وأصدقاء السوء والهوى حتى لقيا حتفهما!
قالت منى:
– ولكن هناك شيء لم أفهمه جيدًا يا أبي! كيف أصبح صديقاك أحدهما طبيبًا والآخر مهندسًا، وهما على هذه الحال المزرية من الإدمان والانحراف؟.

(3) عاقبة الغشُّ
ابتسم صالح منشرحًا، وأثنى على فطنة ابنته وقال:
– لقد ظننتُ أنه لن تفوتك هذه الملاحظة! إنّ دراسة الطب والهندسة ليست بالسهولة، التي تجعل مدمنًا على المخدرات يجتازها بكل بساطة… ولكن!
– ولكن ماذا يا أبي؟
– للمال يا ابنتي سطوة عجيبة في تحديد مصائر البشر! لقد فَتحت هذه الجامعات الخاصة علينا أبواب جهنم، فتخرج فيها الطبيب الذي لا علاقة له بالطبّ، والمهندس الذي لا يفقه شيئًا في الهندسة، وإنما مدار الأمر على امتلاك المال اللازم للنجاح!
– ولكن يا أبي! أليست هناك امتحانات مراقبة؟ وشهادات معتمدة؟
– بلى! لكن هناك المال الذي يشتري أسئلة الامتحانات قبل موعدها، بل وإجاباتها النموذجية أيضًا، ويشتري الأبحاث المطلوبة في بعض المواد، والتي يُعدّها المعيدون بأيديهم، وأخيرًا يشتري شهادة النجاح نفسها!
أبدت الدكتورة عُلا امتعاضها من هذا السلوك المشين، الذي يُصادم الدين والقانون والعُرف، وأكدت أنها ثقافة وافدة علينا وليست أصيلة ولا متوطنة، واعترضت على تعميم الاتهام على الجامعات الخاصة، مؤكدة أنّ الانحراف -والذي هو ظاهرة بشرية-، موجود في كل المجالات والأنشطة الإنسانية، التي يغيب فيها الضمير أو يُغيّب. واعترفت بوجود هذا الانحراف في المجال الجامعي، لكن ليس على شكل ظاهرة منتشرة، وإنما كشواذ للقاعدة السليمة، وبشكل فردي من حين لآخر، هنا أو هناك.
كعاته لم يُجادل صالح كثيرًا، لكنه استطرد لافتًا:
– قد يكون الأمر بدأ هكذا كما تقولين يا عُلا، لكنه استفحل، ولا يزال يستشري يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام. وإن لم تكن هناك وِقفة قومية حازمة لمواجهته والقضاء عليه، فإنّ الغشّ سيقضي علينا، ويقوّض دعائم مجتمعنا!
صاح عبد الله مجددًا:
– يا إلهي! وكيف ذلك يا أبي؟
تنهد صالح، ونظر من النافذة كأنما يستشرف المستقبل:
– يا عبد الله! التعليم والبحث العلمي عماد نهضة الأمم، والجهل سوس ينخر في عظامها، حتى يجتثها من فوق الأرض، فتصبح أثرًا بعد عين. وكم في التاريخ من حضارات سادت بالعلم والابتكارات والاختراعات، فلما وسِّد الأمر إلى جُهّالها هوتْ وبادت! إنني لأتعجب أن تنهار منظومة التعليم عندنا، وقد كنا روادًا في هذا المضمار يُحتذى بنا دوليًّا… لقد كان للمعلمين المصريين أيدٍ بيضاء في مناحي العالميْن العربي والغربي وتخرج أجيال بفضل جهودهم حملوا مشاعل النهضة في بلادهم. وحتى البحث العلمي عندنا تقزمت موازنته إلى مئات الألوف من الجنيهات، بينما في الخارج تُرصد له مليارات الدولارات!
تدخلت الدكتورة عُلا لتبسط الأمر لولديها:
– الطبيب الذي نجح بالغش، أشد خطرًا على الناس من الجاهل، لأنه سيعبث بأجساد الناس، ويعيث فيها فسادًا بغير علم، فيخطئ في تشخيص المرض، ويصف لمرضاه دواءً يحسبه ناجعًا، فيكون هو الداء والسم الناقع، أو يعذبه بجعله فأر تجارب للأدوية التي لا علاقة لها بمرضه. ألم تسمع عن أخطاء فادحة لأطباء عديدين؟: فمنهم من أجرى عملية في العين السليمة بدلًا من المصابة، ومنهم من استأصل عضوًا سليمًا بدل المطلوب استئصاله، أو خلع ضرسًا سليمًا، ومنهم من ترك فوطة، أو نسي مشرطًا في جسد المريض ثم خاط عليه، والأمثلة لا تُحصى!
تنبه صالح إلى أنّ أسلوب زوجته المبسط في الشرح، هو الأجدى والأقرب إلى العقل، وليس أسلوب مرافعاته المعقد، فنسج على منوالها قائلًا:
– والمهندس الناجح بالغشّ، هو السبب في سقوط البنايات على رؤوس سكانها بعد تسليمها بقليل، وهو المسئول عن انهيار الكباري والجسور، والأخطاء الهندسية القاتلة في مجالات عديدة أخرى…
سكت صالح قليلًا ثم قال في حسرة:
– هكذا نجح صديقاي سعيد وجميل كلاهما بالغشّ، وتخرجا في الجامعة بغير استحقاق، فكان نجاحهما وبالًا على المجتمع بأسره، وقتلا بجهلهما ما لا يعلمه إلا الله من النفوس البريئة!
تساءل عبد الله متعجبًا:
– فكيف إذن بادرت يا أبي، إلى حضور جنازتيهما وعزاء أهلهما، إن كانا بهذا القدر من السوء؟ أليست عدالة السماء قد اقتصت منهما، بهذه الميتة البشعة؟
– لا يا بُنيّ فقد تعلمنا ألا نفرح لمصائب الآخرين ولا نشمت بهم مهما سلف منهم لا سيما بعد أن يصيروا في دار الحق وبين يدي أحكم الحاكمين. وفي الأثر: “لا تُظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك!” وما يدرينا لعلّ هذه الميتة كفارة لذنوبهما، أو لعلهما تابا قبل موتهما، والله أرحم الراحمين!
ثم الحمد لله أنهما لم يمارسا المهنة طويلًا، فقد اكتفى كل منهما من الشهادة باللقب، وكوّنا مع شركاء أجانب شركة مساهمة للاستثمار العقاري، شاركا في إدارتها دون التدخل في العمل. وأوكلا أعمالها إلى متخصصين من ذوي الكفاءة والخبرة فأنجزت عددًا من المشروعات الناجحة.
إلى هنا أرادت الدكتورة عُلا أن تضع حدًّا لهذا الحديث الذي امتد إلى ساعة متأخرة من الليل، وأوشك أن يُفسد جدول النوم الذي تحرص على تنفيذه بدقة كل ليلة وقلما تتساهل فيه، فقالت:
– أرجو أن تكونا قد وعيتما الدرس جيدًا، فتُقبلا على دروسكما باهتمام وجدّ، لتتفوقا عن جدارة ويصبح كلاكما عضوًا نافعًا في المجتمع، يساهم في رفعته وإسعاد أهله. والآن إلى فراشكما ففي الصباح ينتظرنا عمل كثير!
تبادل الجميع نظرات باسمة، ثم امتثلوا للفرمان السامي مذعنين، بعد أن اشتركوا في ضحكة عفوية قصيرة!.

أضف تعليقاً