الرجل صاحب (الفرملة)الزرقاء، والبنطلون الأزرق، والقميص الطويل الأبيض، توقف كثيرا عند شارع البدالة، هكذا كانوا يطلقون عليه، محاولا التذكر لأمكنة تنكرت له، سأل نفسه(أين كنت أجلس؟) (آه..تذكرت..تحت شرفة ذلك المنزل) كنت أدّعي أنني أستظل بشرفة المكان عن الشمس الحارقة صيفا، وعن المطر شتاء، بينما كنت أراقب إبتهاج ابنتهم ذات الشعر الكثيف المقصوص دون أن تشعر إما
وهي تغني، أو تمشط شعرها الأشقر أو ..”قهقه ” بخبث وهي تغير ملابسها كما تعكس المرآة التي يظهر منها جزء يسير يشاكس نزواتي، إبتهاج ابنة الرجل المدني البرجوازي، كانوا هكذا ينعتونه، بينما يطلقون علينا نحن البدو ، كنت عشوائيا في كل شيء، لكنني لم أتنكر للأماكن التي حملتني في بطنها وأطعمتني ملح أرضها، تذكرت سيارة والدها عندما كنت عائدا من المدرسة التي تقبع خلف سانية البي خليفة، ألقيت بعصا المعلم عليها فانشق زجاج السيارة، هرعت إبتهاج صارخة، كان شعر رأسها الأشقر متوهجا قافزا، ونتوء في صدرها كحبة الفاصولياء يستحثني لارتكاب حماقة ما. لا أدري ما هو الشغف الذي انتاب روحي لأركز على هذه الأسرة، ليلتها نلت عقابا قاسيا، حبسني أبي في زريبة الماعز التي تقبع خلف نافذة الحوش الشعبي في الجنان الخلفي، كانت المعزة تلعقني بين لحظة وأخرى بلسانها الخشن، وكنت أشمئز من ذلك، حتى تنفس الصبح، سمعت أهلي قد قاموا من سباتهم مرقت روائح البيض المقلي بالسمن العربي، وصوت الأواني، زوجة أبي كانت ماهرة في إعداد الطعام ووضع الحمرة على شفتيها دون وازع، تشبه لون الطبيخ الملطخ على جوانب شفتيها، أما إبتهاج الفتاة المدللة كانت ترتدي أمها حذاء بكعب عال، وتنورة مفتوحة من دبرها، تعبق برائحة تقول إبتهاج إنها من إيطاليا، كانت تضع أمها نظارة كبيرة على عينيها، وطاقية على رأسها وتقود هي الأخرى سيارة حمراء، هذه الحمراء كانت سببا في عرجي حتى اليوم، كنت وقتها أستظل كعادتي مسترقا النظر محاولا معرفة ما تقوم بفعله إبتهاج ؛ وإذ بالسيارة الحمراء تندفع على جسدي دون وعي منها ولا مني، تذكرتهم قد جاؤوا إلى والدي عشاء يطلبون التنازل، لا الاعتذار، قال والدي نحن نعرف حق الجار ونعفو عند المقدرة.
وحدها الأماكن احتفظت بالظلال، وصرت أعدد محاسن الطريق حتى وصلت إلى المصلحة، قدمت أوراق الترشيح، بعد أن وقعت قالوا لي: رشح صاحبة البطاقة الزرقاء، كانت سيدة بدينة، على رأسها قطعة قماش وردية، منتفخة العينين، والوجنتين والصدر، قلت: لطفا ! من صاحبة هذه البطاقة؟
قيل: السيدة إبتهاج…..!!.
ترددت كثيرا، تذكرت قول أبي (نحن نحفظ حق الجار). وقعت واستلمت وخرجت أعرج بروحي…
- عرج أزرق
- التعليقات