للكاتب عادل المعموري
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
لقد ارتأى القاص عادل المعموري أن يجعل من الاريكة رمزاً لثيمة القصة وكانت الحبكة plot بسيطة تتناغم مع بساطة وهدوء ورتابة الحياة للزوجين لكنه وضع العقدة في نهاية القصة وفي الحقيقة في اخر جملة وهذا خلاف المألوف في أحيان كثيرة ” ما حكاية الأريكة من فضلك؟ ” أريكة خضراء اكتسبت لون الشجر والأحراش المحيطة بها حيث اقترنت مع لحظات جلوسهما المتكررة بتغريدات الطيور وصوت الفخاتي الحزين الذي يشق حجب الصمت بين ان واخر. يتكيء الزوج على عصاه مع زوجته التي يهددها الموت لقصور في قلبها وأريكة تنتظرهما كل يوم شاهدة على لحظات صمت متواصلة.. وان كان الكلام وسيلة فعالة للتعبير عن مشاعرنا فإن الصمت أحيانا من أرقى وسائل التعبير.. أجل إنه لغةُ حوارٍ داخلي مع الذات monologue حيث الخشية من الفراق بعد عمر طويل من الحب والانسجام أمام زمن زاحف نحوهما وعمر بدا يتآكل مهدداَ بالفراق الأبدي. ولا شك أن تكرار جلوسهما على الأريكة دلالة على لحظات الانسجام والارتياح فأصبحت تلك الحالة عادة متأصلة لا يستغنيان عنها. وتأتي المفاجئة القاسية وذلك اليوم الذي خطف الزوجة ليصبح الزوج وحيداً لكنها تعيش في أعماقه وهذا بدوره قد عمق وجودهما مع بعض، فها هي الزوجة تنسج له ” بالسنارة بلوزةً لبرد الشتاء القادم…” خوفاً على زوجها من لسعات البرد وهو بهذا الجسد النحيل. ولكي يمهدنا القاص للمرحلة الثانية جعل الزوجين شبه معزولين عن الوسط الاجتماعي ويبدو أن فقرهما وبساطة حياتهما معا قد رسخ حالة العزلة : “… وأنا أخلع بجامتي وأرتدي بنطلوني وقميصي الوحيد وأحمل عصاي…” لا شيء يشغله سوى التفكير بنصفه الاخر الذي سيطر على وجوده تماماً وباتت الأريكة متنفساً قوياً يمنحه دعما نفسيأ psychological support يزوده بطاقة عصبية قد تعينه على الصبر ومقاومة الوحدة ” … أجلس على الأريكة ذاتها في الطرف خاصتي. ألطرف الاخر خالياً إلاّ من طيفها وهي تجلس واضعة ساقاً فوق ساق…” وهكذا يقترن وجودها بوجود الأريكة التي منحتهما الاطمئنان والسكينة ، وكانت لحظة وجودهما معاً قد كوَنت ما يشبه حالة التواصل الفكري، التخاطر، telepathy وهنا تكون حالة التقمص على أشدها فيشعر بحاجة زوجته اليه وتعلق روحها بالأريكة، فالقوة التي استُعمِلَت لاقتلاعها معادلة لدرجة شوقها اليه ورغبتها أن يكون بقربها، ساحبة الأريكة معها قي لحظة انتظار وهي حركة تمثل بالتأكيد حالة ذهنية تخص الزوج الذي يعيش لحظة الذكرى تماماً فهو يدرك عمق التصاق زوجته به وبالذكرى التي لا تموت .
لقد انتقل القاص عادل المعموري من حالة الواقع الشعوري الى حالة الخيال أي اللاواقع بدون تمهيد كحالة حلم أو تأمل يغور البطل فيه مع خيالاته حيث تكون المفاجأه في نهاية القصة وهي حل اللغز، لكننا تٌرِكْنا في جدل مع أنفسنا باحثين عن تبرير ما. وقد نجح الكاتب في ذلك حيث باتت قدسية العلاقة بين الزوجين على أشدها فالموت زاده قرباً منها لما تحملة الزوجة من حب وشوق له وقد أدركه وشعر به أكثر بعد موتها، فهو في اقصى درجات الفهم لمشاعرها وقد عكس أو أسقط حالته الوجدانية هذه عليها He reveals himself . وعليه فإن قُرْبَ الاريكةِ منها هو خيال يعكس إيمانَه بأنها لا تستطيع العيش بدونه . إن احساسه الراقي هذا اتجاه زوجته يعبر عن أقصى درجات رد الجميل لزوجته وكأنه يصرخ… أنا قريب منك ومثلما جمعتنا الحياة فلا بد للموت أن يجمعنا….والموت في الحقيقة هو الحياة الأزلية في بيت قضينا عمرنا من أجل العيش فيه الى الابد….
وأخيراً لابد من التنويه الى أن المرات التي نقلت فيها الاريكة الى المكتب تبدو متناقضة مع الفترة الزمنية التي وارى فيها زوجته تحت التراب. ويبدو انه زارها بعد فترة قصيرة من موتها : ” بعد أيام توجب علي زيارة قبرها…” أي أيام قليلة حسب سياق الجملة، فكيف تُنقل الأريكةُ أربعين مرة من مكان القبر الى المكتب؟ : ” للمرّة الأربعين ، أُأمرُ غلماني بحمل الأريكة ووضْعْها في غرفة مكتبي ..نعودُ في صباح اليوم التالي لنجدها في المكان نفسه قرب القبر .” ومن الممكن أعطاءُ تبريرٍ لحلَّ هذا التناقض وهو أننا عادة نبالغ في الأرقام للتعبير عن الكثرة وليست العدد بالضبط. وبالرغم من جهود القاص في نحت النص وتركيزه فمن الممكن حذف كلمة ” حذاء” في جملة: ” استفسرتُ لدى الدفّان عمّن وضعها حذاء قبر زوجتي….” خاصة ان مرادف الكلمة موجود بنفس السياق: ” عند دخولي المقبرة فوجئت بوجود ذات الأريكة قرب قبرها..” وبهذا تكون الكلمة دخيلة على النص اضافة لانها غير مناسبة وحذفها يقوي النص بالتأكيد. وحسب رأيي المتواضع، لابد من تغيير العنوان الى المصطبة بدلاً من الأريكة التي هي ” مقعد مُزيَّن مُنجّد مريح. ” وهي غير موجودة بالحدائق، كما أن وجود قصة قصيرة سابقة بعنوان “المصطبه” لا يحول دون تغيير اسم “الأريكة” .
ألقاص المبدع عادل المعموري… دام ألقُك أبداً. تحياتي…