عاد قاسم من متجر الملابس إلى منزله المتواضع في الطابق السفلي بالمدينة العتيقة ؛ لم يتركه أحد الأطفال يفتح الباب قبل إخباره بأن زوجته فاطمة تلد ، قبل قاسم الطفل وأعطاه درهما ، دخل قاسم وقرر الا يحرج القابلة ، فانزوى في ركن الصالة يمرر عقيق السبحة بين أصابعه ؛ وعيونه تشرءيب إلى باب غرفة النوم ينتظر القابلة لتبشره بمولود ذكر أختار له اسم والده المكي قبل خمسة أشهر من الحمل ؛ بعد صراخ قصير خرجت القابلة تمسح ما تبقى من عرق الجبين متوجهة إلى جلبابها المعلق على على نافذة البهو ؛ قفز قاسم ليسالها عن جنس المولود قبل ان تغادر البيت ؛ اجابته باشفاق : — مبروك ياقاسم ؛ الله هو الذي يرزق الذكور والإناث. فهم قاسم قصد المرأة؛ ثم دخل عند زوجته : — الحمد لله على سلامتك يا فاطمة . — الحمد لله ، كنت أتمنى أن أنجب لك المكي يا قاسم لكن .. — لا تكثري من الكلام يا فاطمة ستجهدين نفسك . وضع في يدها ورقة نقدية وعاد إلى الصالة دون رؤية الوليدة ، ألقى بنظرة على صورة أبيه المرحوم الحاج المكي ؛ تذكر يوم خاطب أمه خدوج وهو يربث على كتفه لأنه كان ولده الوحيد : — اسمعي يا بنت رحال ، اعتبري نفسك مطلقة إن سمعت كذا أو كذا عن إحدى بناتك .
وتذكر أنه منذ ذلك اليوم ؛ أصبح الوصي على أخواته؛ يحظى منهن بالاحترام والتقدير ، فتزوجت أخواته كلهن . سمع قاسم بكاء الوليدة من جديد ، لم يحرك ساكنا إلا بعد نداء فاطمة ؛ تامره بإعداد كوب من ( اللويزة ) دخل الرجل إلى غرفة النوم ؛ وضع الكوب على مائدة صغيرة ؛ لكن فاطمة امرته أن ان يمسك الوليدة بين يديه ويشربها بعض قطرات اللويزة ؛ هكذا فعل قاسم بعد أن قبل الصغيرة على الجبين . — ما شاء الله ؛ إنها نسخة منك يا فاطمة ؛ اسمعي يا بنت الناس إياك أن أسمع عنها كذا أو كذا ؛ انت المسؤولة عن تربيتها منذ الآن.
مرت ثمان عشرة سنة على هذا الحدث ؛ لم يرزق قاسم الولد الذكر ؛ ظل ينتظره ؛ بل بنتا أخرى سماها عائشة.
عاشت مريم بين أحضان والديها أ
تنعم بالحنان والعطف ؛ اعتادت الا ترافق زميلاتها في الطريق إلى الثانوية منفذة كلام أبيها قاسم .
— اذهبي وحدك وعودي وحدك ؛ عرضي وكرامتي فوق كل شىء؛ واعلمي أني اراقبك من بعيد .
كانت فاطمة تتمنى ان تحصل ابنتها مريم على شهادة البكالوريا وتكمل تعليمها ، لتصبح موظفة كسعاد بنت رقية الدكالية جارتهم ، وفي نظرها ان الوظيفة في هذا الزمان من شروط إقبال الخطاب على البنات ؛ او على الأقل عامل من عوامل الاستقلال الذاتي .
قالت ذات يوم لمريم :
— سمعت الإمام يقول في إحدى خطب الجمعة ان المرأة تنكح لجمالها أو مالها او دينها ؛ وانت يامريم ما شاء الله ؛ جميلة متدينة ، اتمنى لك وظيفة عليا تكتمل بها كل مواصفاتك ، لتكوني امرأة كاملة .أصبحت عروسا يا مريم ( تقبلها ) حفظك ألله ورعاك .
فتح باب التسجيل بكلية الآداب ؛ وفي طريقها إلى هناك ؛ مرت على باب ثانويتها ؛ اما مودعة أو معلنة أنها تجاوزت كل المقررات بالتعليم الثانوي ؛ وبالصدفة التقت بصديقتها كوثر وتاسفت لها لعدم نجاحها كثيرا .
كانت مريم تود لو أنها التقت في تلك اللحظة بكل طلبة الثانوية وطالباتها لتبين لهم أنها المريم بنت القاسم التي كانت بالأمس طالبة معهم ينعتونها بالمعقدة ؛ ودعت كوثر وتمنت لها التوفيق مرة أخرى؛ ثم توجهت الى الكلية قصد التسجيل في شعبة الآداب العربية ؛ كانت مريم منذ تعليمها الإعدادي تعشق الشعر والرواية ومولوعة بفن المسرح .
عادت إلى البيت مزهوة فخورة ، قبلت أمها ، ثم دخلت إلى غرفتها وارتمت على السرير الذي يحادي مكتبها الصغير ؛ عليه كل كتبها . تسللت يدها تتلمس بعض الكتب فوقع اختيارها على مقرر الاجتماعيات ، حينها فكرت ان تتخلص من كل هذه المقررات فقد تجاوزتها وأصبحت معلوماتها من البديهيات.
في بداية السنة الجامعية كانت مريم تظن أن الدراسة بالكلية كالثانوية تعتمد على الحفظ والتلقين ، لكنها فوجئت في أحد الأيام بعد شهر من التسجيل أن كل الأساتذة بالشعبة يكلفون الطلبة بالبحوث والعروض ، وهذا يتطلب ملازمة الكتب في المكتبة العمومية أو مكتبة الكلية . من سوء حظ مريم أنها كلفت بإعداد عرض مشترك بينها وبين إحدى الطالبات . اتفقت مريم مع نادية على الخطة المتبعة في إعداد العرض المشترك . وهكذا بدأت مريم تتردد على بيت صديقتها الجديدة لمناقشة محاور العرض . عاد مراد زوالا إلى البيت ، تعود ألا يجالس أفراد الأسرة ، إلا أنه في هذا اليوم تظاهر باللباقة والتواضع ، وقال لأخته نادية :
— ألا تقدمين ضيفتك يانادية ؟ آسف ضيفتنا .
— إنها مريم زميلتي بالكلية ؛ اخي مراد الأكبر يانادية .
مد يده إلى مريم لمصافحتها ، وعيناه تحذق في عيني الفتاة . تبادل الاثنان حوارا عينيا ، انساه ان يسحب يده الملتصقة بيدها الناعمة الدافئة بعد المصافحة ، كان مراد يثقن لغة العيون واليدين ، قال لأخته نادية يبعدها عن مريم :
— أحتاج إلى فنجان قهوة يا نادية ، الا تشربين شيئا يا مريم ؟ لا تكوني خجولة انت في بيتكم ؛ حسنا هات عصير تفاح. يا نادية .
خلا الجو لمراد وبدأ يمطر مريم بأسئلة أجابت على بعضها وسكتت عن الكلام المباح .
— انت مرتبطة يا مريم ؛ أنت جميلة ما شاء الله ؛ لا أعتقد أن عيونك لم تسقط أحدا من بني آدم .
ابتسمت قليلا ثم تناولت القلم بين اناملها وكتبت باقي فكرة ترتبط بالعرض ثم شطبت عليها مترددة ؛ واجابته :
— أنا مرتبطة بدراستي هذه الساعة .
عادت نادية تحمل القهوة والعصير ، سبقها مراد إلى العصير وقدمه إلى مريم ، لامس يدها أثناء اخذ الكأس، أتبعه بابتسامة مزورة وعيناه في في عينيها ، ابتسمت مريم وطلبت منه بعينيها ان يسحب يده الملتصقة ؛ فسحبها ببطء .
دق جرس الباب أسرعت نادية إلى فتحه ؛ استغل مراد الفرصة وقال لمريم :
— لي معك كلام كثير شرفيني بجلسة .
ابتسمت مريم واطمأن مراد بعد ان علم أن الطريدة سقطت كغيرها من الطراءد .
ترددت على مقهى المحيط بعد ان أصبح مراد فارس الأحلام . بقي العرض المشترك بنها وبين نادية مبتورا إلى أن جاء اليوم المشؤوم ، لما زارت مريم بيت نادية لتكمل العرض . قديما قالوا (الوجه المشروك ما عمرو يتنقى ) دقت الباب فتحه مراد ، لأن نادية غير موجودة ، دخلت مريم ، أغلق مراد الباب ، خطأ خطوة ثم عاد ليتأكد من غلقه ؛ قبلها بلا إذن ؛ وجرها إلى غرفة نوم أبيه الراحل التي مازالت أمه تحافظ على معالمها ، وارتكب الفاحشة ، تكرر اللقاء وتفنن مراد في أصناف الرومانسيه ، زاد ارتباط مريم بمراد لما كانت تزوره بالمستشفى بعد مرضه ؛ اوصاها يوم زارته أول مرة .
— لا تفارقيني يا مريم ، زيارتك تريحني .
وافقت مريم وزارته عدة مرات ؛ لكن في المرة الأخيرة لم تجده في مكانه ، أخبرتها الممرضة أن مرادا توفي قبل ساعتين وترك لها هذه الرسالة ؛ فتحتها مريم لتقرأ جملة واحدة :
— سامحيني يا مريم مرض الإيدز لم يرحمني ، كنت اتمنى ان نلتقي ألف لقاء ولقاء ؛ لكن لله وحده البقاء ؛ اعرضي نفسك على الطبيب ؛ لا تترددي يا مريم ، الوداع يا حبيبتي .
صرخت مريم بأعلى صوتها ؛ مزقت مسودة العرض فوق سرير المستشفى الفارغ من مراد ؛ ثم خرجت لا تدري أين تتجه ، عادت الى البيت لتجد الحاج قاسم يمرر عقيق السبحة بين أصابعه ينتظر آذان العصر .
الحمد لله على سلامتك يا أستاذة ، لك مني هدية غالية ستجدينها عند امك يا بنتي ؛ إنها بدلة محتجبات تليق بمرتبتك وتحافظ عليك من الطامعين .
دخلت مريم تجري عند أمها ؛ لم تستطع منع دموع ساخنة تهطل بغزارة ؛ صارحت أمها بكل شىء ؛ عرضتها على الطبيب ؛ لم يرحمها الإيدز التحقت بمراد قبل ان يكتمل العرض المشترك .

أضف تعليقاً