اختار إبراهيم لنفسه العيش بعيداً عن المدينة، يدير شؤون مزرعة ورثها عن أبيه، يرعى بستانها وحقلها وقطيعاً من الغنم، فقد تخلّص أخيراً من جيران السوء، وتخلّص من ضوضاء أحجار الدومينو ونهاق السكارى ليلاً، أجمل ما في يومه المليء بالأشغال الشاقّة، ما تبعثه له أمّه مع أخيه كعشاء كلّ ليلة، يبدّل ملابسه وينظّف يديه ووجهه على عجل وكأنّه على موعد ما، يخرج ما في القفّة بشغف، يرتّبه على مائدة مهترئة بحذر، يتبدّد العياء بجلوسه إليها، ويسرح بخياله مع كلّ لقمة.
– إبراهيم.. افتح يا إبراهيم
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقولها داخلة في بعضها واللقمة تملأ فاه… يبلع منها ما استطاع ويتشتّت ما تبقّى على المائدة، ثمّ يرد:
– أنا قادم أيّها المصيبة
الضيف الثقيل، عامل في مزرعة مجاورة، لم يفلح في أمر في حياته مثلما فلحت ساعته البيولوجيّة في تحديد موعد عشاء إبراهيم، لم يمرّ على صداقتهما الكثير، وبالكاد تعرّفا على بعض، ولكنّ الجار وبأعجوبة تمكّن من فرض حضوره القويّ على مائدة العشاء، يأكل بيديه ويتكلّم، ولا يتوقّف حتّى تستوي الصحون فوق بعضها وكأنّها لم تحمل طعاماً قطّ.
ينظر إبراهيم بدهشة… فقد رأت عيناه، وصدّق أخيرا ما سمعت أذناه عن مغامرات هذا المخلوق مع الموائد، فقد أكل مرة مائدة بأكملها بصق أحدهم في صحونها جميعاً حتّى يمنعه من الاقتراب، أكلها وهو يضحك.
– هكذا إذن، نجوت من الذئب ووقعت في غاره…
يقولها إبراهيم، والتماسيح تتعارك بداخله، مستنقع موحل من الغضب يلوّث مزاجه، ليخطر بباله ما لا يخطر ببال الشيطان، فقد حان الوقت ليتخلّص من هذا الوغد إلى الأبد، وعلى غير العادة قرّر يوماً أن يدعوه على عشاء خاصّ:
– العشاء الليلة عندي خاصّ جدّاً من أجلك، وأحذّرك، ربّما يلهيك شيء ما عن الحضور…
– حبيبي يا إبراهيم… العشاء، الغذاء، والموائد لها من عندي كلّ الوقت…
ثمّ يطلق قهقهة… نهقت من صداها أحمرة المزارع.
هذه المرّة لم يتعبه إبراهيم، فقد ترك له الباب مفتوحاً، وجمّل له المائدة المهترئة حتى بدت بما حملت من شواء، مائدة فاخرة.
– هيّا أيّها العفريت… تفضل
– ياااااااه…
يفعلها مقلدا وحش الغوريلا، يهرول، يجلس، ويأكل وكأنّها آخر مرّة سيأكل فيها.
– شبعت يا المصيبة؟
– نعم يا صديقي… فلم أشاهد طاولة كلّها شواء طوال حياتي !!!
– بصحّتك
– يسلّمك… قل لي، لم أشاهد ذاك الكلب التائه “ريكس” منذ أمس، أين هو؟؟
– ههههههه آآآ ههههه
– ما بك لما تضحك؟؟
– لقد أكلته للتوّ يا المصيبة، وأتممت اللقمة الأخيرة بالعصير.
– هل تقصد أنّ اللحم الّذي أكلت، كان لحم كلب؟؟
– نعم (مع ضحكة هستيرية).
ينطلق الجار بسرعة البرق نحو الخارج، ويتبعه إبراهيم، يتمتّع باللحظة، وهو يشاهده يتقيّأ لأوّل مرّة في حياته.
- عشاء
- التعليقات