ندما كنتُ صغيرا ، أعبث بالقلم الرصاص على ظهر كراستي ،أرسم شمسا تعشق قمرا؛كانت أمنيتي أن أصعد سطح عمارتنا…كانت أمي تهمس في أذني أسطورة سطح عمارتنا:”الأشباح ستنحت من جسدى البالي جمجمة تتجاذبها الأنحاء الأربعة العليا”، مع قرْصَةِ الأُذُن في كل محاولة تختبئ الأمنية في مغارة الكتمان.ثم تحاول الظهور كلما حانت الفرصة.
حانت اللحظة المناسبة حينما عدت مبكراً على غير العادة من المدرسة ، أسرعْتُ الخطى إلى شارعنا القريب جدا، رفعت عينيَّ الزائغتين اللاهثتين إلى أعلى….قامتها الشاهقة تحجب عني الدنيا، تلمحني عيناها، تبسِم في استهزاءٍ ساخرة من قصر قامتي هكذا خُيِّـل إليّ…”لو أنَّ بها مصعد لكنت الآن على قمتها!”، لم أشأ أن أزعج محبوبتي التي لاأمل لها في الدنيا غيرى؛ تحيَّنتُ غفوتها، تركتُ حقيبتي المكتظَّة أمام باب شقتنا بالدور الأرضيّ، وصعدتُ كفهدٍ متمرِّس درجات السلم المتلوِّي، تجاوزت ُالأدوارالسفلى والوسطى بخفّةٍ ورشاقة…أحسستُ بأنداءِ بهجةٍ تغمرني عند اقترابي من الدور الأخير، ماكادتْ قدماي تلامسان الدرج الأوّل منه حتى انقلبت السعادة ألما حادا بالمعدة أعقبه غثيانٌ كاذب!؛ الضلع الأيسر للسلم مبتور والصاعد يمكن أن يسقط بين الأضلاع الحادّة للأدوار السُّفلى؛ حاولتُ أن أتماسك “ألستُ بطلا مثل أصحابي الذين أخبروني بقصصهم ولوَّحوا في وجهي بشارة النصر؟”…لابدَّ أن أكمل المغامرة حتى النهاية؛ لُذتُ بالحائط عن يميني، التصقتُ به غامساً أنفي في نتوئه حتى انسلخ، شعرت ببعض الأمان في خشونته التي عبثتْ أيضا بوجهي وأزرار قميصي الناضح بالعرق. ظلَّتْ عيناى معلَّقتين بالحائط تتواريان فيه بينما قدماي تتسللان الى أعلى…كلما صعدتُ درجا وتنسَّمْتُ رائحة الوصول ازدادتْ المعدة انقباضا، عند الدرج الأخير كانت المفاجأة: السطح أملس عارٍ …هو الآخرمبتورة أضلاعه !!؛ تشبَّثتْ عيناى بوجه السماء كي تشهد عرس الشمس …لكنها لم تكن!؛ الغيوم المتراكمة تنبئني بمقولة أمي…أخذت القشعريرة تكهرب جسدي،كنت في منتصف السطح تقريبا عندما هبت نسمات خفيفة أحسستُ معها أنِّي أُقتلَعُ من جذوري، جذوري تتحلل، تتجاذبني الاتجاهات الستُّ، كلٌ ينهش من جسدي النحيل ليصنع جمجمة تتقاذفها الأشباح…هويتُ على وجهي مستجيرا بالسطح الأصمّ..التصقتُ تماما به، خربشتُ بأظفاري في وجهه الصلد بلا فائدة…تمدَّدَتْ أوصالى للخلف…يشتد زفير الريح الغضبى مع أنَّات القلب القافز منى…ونشيج الموتى يتعالى عبر طبول تعوي..”هل أنجومن زحف الأرواح وغلِّ الأشباح الظَّمأى لدمي؟؟ في محاولةٍ شبه يائسة تكتلت أعضائى متقهقرةً، زحفتُ نحو السُّـلَّم متلمِّسـاً الحائط الأيمن، مُغْمضَ العينين – كطائرٍ يرقص ألماً- هبطّتُ إلى الدرج الأخير…أمِّي لم تدرك سرَّ اللعبة؛ مازالتْ في الدور الأول.
- عصفور الشمس
- التعليقات