العاشر من يناير ..
أتعلمين ما الذي يصادف هذا اليوم؟؟ لا عليك، كلي ثقة بأنه ليس لديك أدنى فكرة عنه، لذا سوف أختصر عليك عناء التفكير والتلفيق وأخبرك بذلك بسرعة، إنه نفس اليوم اللعين الذي استجمعت فيه كل ذرة شجاعة لدي واخترت أن أوقفك عند الدرجات الأولى من السلم _حيث لم يكن أحد غيرنا هنا_ لأصف لك مقدار الحب والولع الشديد بك وانتظر اليوم الذي سوف يمكنني فيه الارتباط بك. لكن!! و يال الجمود الذي قابلتني به عيناك !! ثم انك حتى لم تأخذي حتى الوقت المعتاد للتفكير وأخبرتني ببساطة أنه ليس لديك أدنى رغبة في التفكير بمثل هذه المواضيع وأن اهتمامك الكامل منصب على الدراسة فحسب، كما أنني لا أثق في جنس الرجال كلهم.
كانت تلك صدمة كبيرة وفاجعة بغيضة سقطت مرة واحدة على قلبي المسكين، أتعلمين؟ لو أنني قضيت ما تبق من ساعات ذلك اليوم الطويل أصف لك قدر الحسرة والخيبة والألم الذي اعتصر قلبي في تلك الثواني القليلة لما تمكنت من إيفائها حقا .
اليوم ها أنا ذا أقف أمام المرآة الوحيدة شقتي الخالية من كل معالم الحياة، أخاطبني في صورتك المتخيلة أملا من أن يصلك شيء من حسراتي، إنني يا ريحانة قلبي أجهز نفسي إليك، ارتدي البذلة السوداء التي استعرتها من جاري بالطابق السفلي من العمارة، المسكين كان قد جهزها من أجل مقابلة عمل لكنه رأف بحالي حينما أوضحت له مرادي منها فلم يتردد في إعارتي إياها ، وألف عنقي بربطة العنق نفسها التي كنت أرتديها في أيام الجامعة، أما عن شعري فلم يكن لدي ما يكفي من مال لتصفيفه، إنني حقا أعاني من ذائقة مالية كبيرة في الأشهر فقد أنفقت كل القروش التي كانت بحوزتي واستلفت البعض منها من أجل طباعة كتيبي الأول الذي يحوي كل قصائدي التي طالما أولع أصدقائي بها، أنت أيضا أظن أنك تذكرين إحداها، فقد أرسلتها إليك عبر رسائل الـSMS القصيرة فيما مضى والتي تطلبت مني عشر رسائل كاملة لتبلغك كلها، بعد ذلك لم أتمكن من الاتصال بأمي البائسة التي طالما كانت تنتظر اتصالي مع كل نهاية أسبوع، لكن بالرغم من ذلك لم أكن مستاء، فقد كنت سعيدا لأنني أبلغتك بعضا من نجوى قلبي بين أبيات تلك القصيدة..
تطلب الأمر مني عددا لا يحصى من المحاولات و الاستمالات لقلبك حتى تمكنت من التقرب منك قليلا فقط، أخبرتني فيها أنه يمكننا أن نكون صديقين سطحيين معا بعضنا وألا يتدخل أي منا في شؤون الآخر، وتذكر جيدا أنني لا أثق أبدا في الرجال، بالنسبة لي لم أكن أريد شيئا أكثر من هذا ليبتهج قلبي، أكون بجانبك؟ وأتمكن من إلقاء التحية وتبادل بعض الكلمات معك، ذلك كان النعيم بالنسبة لي؟ في ذلك الوقت لم أدخر أي جهد في تعريفك بنفسي وطموحاتي وأحلامي، وجعلك تطربين بقصائدي الغزلية الكثيرة التي كنت انشدها على صوت موسيقى العود المنبعثة من هاتفي، كما أخبرتك قبل قليل فلقد دفعت كل ما لدي من مال حتى أرى أعمالي متراصة مع بعضها البعض في كتاب صغير يحمل اسمي، لكن للأسف فلقد كنت كمثل النعجة الخرقاء التي قادها الذئب إلى الهاوية، وطبعت قصائدي تحت اسمي احد السفلة المتسلقين على أعناق من هم مثلي من الحمقى والأغبياء، وخسرت عندها كل شيء.. مشاعري المدفونة بين الأبيات، وقصائدي الحزينة التي بكتك ليال طوال بعد تلك الواقعة، وكل أموالي المدخرة..
مثل ضحكتك الفاتنة التي لم أتمكن من حذفها من ذاكرة مطلقا، ظل ذلك اليوم المشئوم يحلق من حولي وينفلت إلى أعماق ذكرياتي مع كل قطرة مطر تلامس خذي. أتذكر جيدا ذلك المشهد، كنت حينها ألف نفسي بمعطفي الوحيد اتقاء من البرد وخشية من تسلل المطر إلى داخلي، اخترت طريقا مختصرة عابرا بين الكليات في الجامعة قاصدا وجهة من معهد الهندسة إلى كلية التكنولوجيا، وعلى الجدار الخلفي لكية العلوم رأيتكما تجلسان ملصقة جسدك بجسدها بينما كان هو يسرق قبلة خاطفة من خدك المحمر، عله كان يقصد بتلك الحركة بعث قليل من الدفء لك.. فالجو كان باردا جدا، واخترتما أنتما أسوء وقت ومكان من أجل إتمام جلستكما الرومانسية تلك .. حينها لم يعد مهما ان كانت المطر الغزير سوف يبللني بالكامل بعد ان فتحت يدي مشدوها من ذلك المشهد وافلت معطفي الخالي من سحابه، بينما أنت حدقت في بنفس تلك النظرة الجامعة من قبل واستدرت لتكملي ما كان بينك وبينه من حديث من دون أن تعيري لقلبي المهترئ أي اهتمام.. لحظتها كانت تتردد في ذهني جملة واحدة لك : ” أنا لا أثق بجنس الرجال كلهم ”
حسنا دعك من كل هذا، فأنا طالما كنت كثير الكلام بالرغم من أنني لم أكن أجيد التنسيق فيه، لكن أتعلمين ما المضحك في كل الأمور التي أمر بها؟؟ عطرك النسائي Cristal noire لم أستطع منع نفسي من التعطر به في مثل هذه المناسبة الميتمة لي، حتى أنني لم أستطع أن أدخن سيجارة المعتادة المحشوة بمسحوق العرعار التي اعتدتها كل صباح، خوفا من رائحتها التي قد تخفي عطرك ومن تناثر رمادها الذي قد يضر بالبذلة المستعارة.
اليوم تكون قد مرت سبع سنوات على ذلك المشهد التراجيدي ، وعام كامل على زواجك المبارك، ببركة الأفواه التي تزاحمت على أطباق البندراق والحساء، وبركة الأعين التي زفتك إلى عريسك الشيك، وبركة اليدين التين تحسستا كل جزء من جسدك المشتهى، والشفاه التي قبلت وألهبت كل مكامن الشهوة واللذة فيك، وبركة الألسن التي علت زغاريدها فرحا بخبر عذريتك الطاهرة، ودوي البارود المفاخر بالكبرياء، وبركة الأقدار التي جمعتك بحبيبك الغالي، وألقت بي في هوة الحزن والألم والضياع.
في هذا اليوم يا نوارة بستاني الوحيدة، تتزاحم في مشاعر كثيرة لا أزال لم أملك القدرة اللازمة لفصلها عن بعضها البعض، إنني الآن أرتدي فردة حذائي الثانية وأغادر الشقة على عجل لأستقل أو TAXI تمر بجانبي، أتتساءلين إلى أ]ن ستكون وجهتي؟ حقا لا أعرف، ولكن أنا فقط أردت لآخر يوم لي أن أبدو على أحسن هيئة وأنا أستعيد ذكراك كاملة .

أضف تعليقاً