حَسِبُوا أَنَّ الشاطئ في مرأى البصر، هكذا بَدَا لهم من نوافذ الضباب المُلتَفَّة، وهم في قلب العاصفة، يتشبثون ولو بِقَشَّة، خطفت مخالبُ الأَشْرِعَة سفينتهم نحو قمة موجٍ عالية وبينما البحارة كجراد منتشر يراوغون براميلًا خشبية متدحرجة، طوقت ذراعا قرصانهم الأعور دَفَّة السفينة، ذابت الاتجاهات وهي تهوي بهم على سفحِ الموجِ المُنحدر، وأَلْسِنَةُ البحر تُرَاشقهم من كل جانب… بات البَحَّارة بين تفريغ السفينة من الماء وشد الحبال بكل ما أوتوا من قوة، والعاصفة لم تهدأ؛ بدأت ذاكرة القرصان تُبحِرُ للوراء وتعوم بين الحلول… تَذَكَّر بِضَاعَةً في قَبوِ سفينته، قَرصَنَهَا قبل يومين، من سفينةٍ أخرى خاويةٍ على أشرعتها في بَحرٍ لُجِّي، بَحَّارتُهَا يتكلمون العربية، كانوا سُكَارَى وما هم بِسُكَارَى ولكن مُصَابهم عظيم؛ إذ يتنازعون دَفَّةَ سفينتهم، فتقطعت بهم السبل تائهين في البحر، والذي زاد من تُعسِهِم سفينةُ القراصنة، فَلَمْ تُبقِ لهم مما يملكون شيئا وهكذا ظل أصحاب السفينة المسلوبة يتصارعون على ظهرها…
تَذَكَّرَ القرصانُ مصباحا ذهبيا عتيقا كان بعضًا مِمَّا استولى عليه منهم، ساقه الفضولُ إِلَيهِ كَحَظٍّ مُبتَسِم… ومِن برميلٍ مَخبُوءٍ في قبو سفينته استخرجه، أشاحَ عنه الغبار، وانتصب حاجبُه الأيمن كشراع نفثته دوامتا أنفه المنفوخِ مُحَدِّقًا برموزٍ منقوشة على جانبيه، وكتابٍ صغيرٍ حَوَى سُطُورًا عربيةً.
لم تمنع القرصنةُ عينَهُ إتقان اللُّغات وتفكيك الرموز ثم سطور الكتاب؛ عرف أنها رموزٌ تعود لعلماء مسلمين، وهي دليلٌ للبَحَّارة، للنجاة من متاهات البَحر، وعواصفه…”.
انطلق مُسرِعًا للدَّفَّةِ يَتَّبِعُ الرموز، ويعطي حُلُولًا عبقرية لم يفكر بها البَحَّارةُ رغم شِدَّة العاصفة… جميع من كانوا على متنها لفتتهم براعة القيادة؛ تهامسوا بينهم: “لم نعهد قرصاننا بهذه البراعة، فما الذي حصل له في القبو؟”
قرأ القرصان لوحة السماء، وخرائط النجوم، واتَّبَعَ إشارات المصباح، وحلل سطورَ كتابٍ لا يؤمن به؛ تسلق بسفينته الأمواج، ركبها والحنكة والثقة تَشُعُّ من هالته، وبثعلبيةِ وجهِهِ الممتد ببسمةٍ جانبيةٍ رأى سِرَّ عبقريته في أعينهم محفوفا بالتساؤل..؛ صرخ بأعماق نفسه: “وجدتها! إنه العفريت”. نادى البحارة، وخطب فيهم:
“وجدت مصباحا ذهبيا يسكنه عفريت، أتذكرون تلك السفينة التي سلبناها؟”. فأطرقت رؤوسهم تلوح كالبندول حتى أشبع فضولهم…
واستمر حاله يدندن بذريعة العفريت كلما بَرِقَت من أعينُهم الدهشة، حتى وصلوا إلى جزيرتهم الشاهقةِ صخورُ شاطئها والفسيحةِ غاباتُها وخضرتُها… هناك… وعلى مِصباحِه رفرفت أحلام اليقظة القديمة تجيد التحليق حقيقةً؛ تصيح بصيته بين الفينة والأخرى في أرجاء الجزيرة: “القرصان كبير القضاة… القرصان كبير العلماء ثم رئيس الخزانة…”، تفاجأ البَحَّارة أَنَّ قرصانهم أصبح حاكما للجزيرة، وأَنَّ الجزيرة أصبحت أقوى من كل جزر العالم… حصل كل هذا والدهشة لم تفارق بحارته…
حتى أن أصحابَ السفينةِ المسلوبةِ كان لسانُ حالهم يردد: ” نعم، إِنَّه العِفريت!”.