يتأمل واجهات المحلات وسط حشود المرتادين لها ، بغية شراء ملابس العيد ، فقد أوشك شهر الصيام على الانتهاء ، كل يوم يعود إلى أمه ، ويتمنى أن تنطق بحرف، شاخصة عيونها راقدة لا تحرك ساكنا .. هكذا آل حالها بعد حادثة سير ألمت بها بعد فرار السائق.
صوت أجش ، تتعالى نبراته في غرفتها .. يختبئ تحت ملاءته خائفا .. لقد كرر ما نهاه عنه والده .. ووضع الغلة في حجرها
يصرخ متمتما” كم مرة قلت لك أن تعطيني ما جمعت في آخر النهار . يا بن ال …. ليتكم تموتون جميعا .. لم أجنِ منكم سوى الشقاء
أنت وامك وأختك، في الغرفة تتكومون ككومة قش بلا فائدة .. لو عندي حمار لاستفدت منه أكثر من منكم .. ” ويشرب من فوهة الزجاجة خمرا، ويغيب عن الوعي من جديد .
تنفس علاء الصعداء ، و راح في نوم عميق.
في الصباح يبدأ مشواره المعتاد ، على تقاطع الطريق ، وسط السوق حيث الإشارات الضوئية هي مسرح الحياة ، هذا يصده وهذا يتحسن عليه ببضع قروش وتلك المرأة تبتسم في وجهه الصغير وتغدق عليه بالمال، يخبئ بعضه في طرف جيبه ويدخر المال له ولاخته ليشتريا معا وجبة أو خبزة محشوة بالفلافل تسد رمقهم.
يلفت نظره ذاك العجوز الذي تكرر وجوده على المفترق للمرة الرابعة ، ونظرته التي تثير الشك والحيرة تجاه أخته ..
ترك موقعه وراح يقف مع أخته سماح في موقعها ، حين عاد بسيارته تفاجأ العجوز بوجه علاء العابس وعلى وجهه تعابير الدهشة والاستغراب، نظر العجوز نظرة متعالية ، وتفقد بعينيه سماح .. فكان له علاء بالمرصاد، حتى تيقن من فشل مهمته
وراح بعيدا ولم يعد الكرّة.
ابتسمت سماح ذات العشر سنين وعرفت ان لها عزوة وسندا تتكئ عليه، بعد أن فقدت ذلك في أباها السكير.
اقتربت الشمس على الزوال ، منهك يلتقط أنفاسه ، يعد الغلة غير راض عنها، خائف من ردة فعل أبوه الذي سيستشيط غضبا وربما ينهال عليه بالضرب، وبينما هو يفكر بهذا السيناريو وإذا به يسمع حوارا بين أب و ابنه في السوق، يقنعه لشراء حذاءا جديدا بينما يرفض الطفل أن يدخل المحل بحجة أن الأحذية لا تلائم ذوقه، ويردد ، ” لقد سئمت هذا النوع فقد اشتريت لي توا اثنين منهم ، حتى هذا الذي ألبسه ، يشبههم، ” ألقى علاء نظرة على حذائه فلمعت عيناه، وتمنى أن يملك مثله، تابع بشغف نتيجة حوارهم ، وإذا بالطفل يخلع حذاءه ويرميه في حاوية القمامة ، ويأخذ أحد الأحذية التي اشتراها أبوه ويلبسه ويولي مبتسما مع أباه، هرع علاء إلى الحاوية والتقط الحذاء بفرحة عارمة، وكأنه وجد كنزا مدفونا من أيام الفراعنه، وراح يدسه في قدمه ولحسن الحظ كان المقاس مناسبا، كانت فرحته لا تقدر بثمن، لقد حصل على حذاء العيد أخيرا، سيلبس حذاءا مغلقا برباط ، بدل هذا الحذاء الممزق الذي أدمى أصابع قدميه، في هذه الأثناء، كانت سماح تراقب ما حدث وفي قلبها اشتعلت الحسرة وربما الغيرة ، مشى عدة خطوات مبتهجا مبتسما بغنيمته، ونظر نظرة ملؤها السعادة إلى أخته التي اغرورقت عيناها بالدموع، ولكن لم تشأ أن تفسد سعادة أخيها بما قد حظي به. لاحظ الابتسامة الباردة على وجه أخته فبادرها بالسؤال: ” هل أعجبك”؟ قالت بكل هدوء .. “أجل إنه جميل جدا، وأخيراً.. حظيت بحذاء للعيد، “. صمت فجأة يستجمع أفكاره ،
فهو وأخته كما اعتادا، يقتسمان الغنائم سويا، لذا التفت إليها مبتسما وقال ” سأبيعه، و أشتري بثمنه لعبة لكلينا، هل كنت تصدقين أني سأنفرد به وحدي؟ هذا مستحيل ! سأبحث عن أحد في سوق الخردة يقبل أن يشتريه مني بثمن معقول ، وحينها سنشتري شيئا يستفيد منه كلانا. ”
في تلك الليلة و التي صادفت أنها آخر ليالي شهر الصوم، وضع علاء الحذاء عند صاحب المطعم المجاور لهم، فغدًا أول أيام العيد ، وأخيرا..، سيلبس حذاءا جديدا، فصاحب المطعم يعرف ما ألم به من مصاعب الحياة، وكثيرا ما يوبخ أباه ويمنعه من أن يؤذيه. حتى أن أباه، يقضي معظم الليالي عنده حتى الفجر ، يأكل ما تبقى من وجبات الزبائن ، وينام مستلقيا في أرض المطبخ بلا وعي.
في طريق عودته للمنزل ، كانت وجوههم مستبشرة ضاحكة على غير العادة ، يرقصون بفرح لغد مشرق ، لحلم على وشك أن يتحقق ، بدت راضية نوعا ما وربما أحست بتأنيب الضمير وضمرت في نفسها أن تمنعه عن بيع الحذاء وأن يؤجل ذلك على الأقل.. إلى ما بعد العيد ، ليفرح به ويرتديه كسائر الأطفال. وسارا معا بفرحة غير مسبوقة ، يرسمون الحلم على قارعة الطريق.
في الصباح الباكر، استيقظوا فزعين على صوت سيارات و صراخ الناس وتدافعهم في الخارج ، فاليوم أول أيام العيد .
نظر إلى فراش أبيه وجده كما هو، لم ينم البارحة في البيت، لعله أمضى الليلة في المطعم كعادته.
خرج ليستطلع الأمر ، وإذا بسحب الدخان تملاء السماء وسيارات الإطفاء تتوارد للمكان بسرعة، مشى إلى الأمام أكثر فأكثر ، يالهول المنظر، المطعم يحترق وكل ما فيه أصبح فحما أسودا، لم تسعفه كلمات الدهشة والخيبة في التعبير عن حزنه.
فَقَدَ الحذاء في الحريق! ضاع حلمه وحلم أخته، لم يستطع أن يسيطر على نفسه في انفعالاتها، وراح يصرخ منكسرا.
وجده أحد الصبية الذي يعمل بالمطعم وضمه إلى صدره مواسيا وقال كلمات لم تصل جيدا لمسمعه”: رحمة الله على أبيك يا صغيري، لقد قضى في الحريق. ولم نستطع إنقاذه ! ”
لم يستطع تفسير شعوره، أهو شعور بالراحة أم العرفان أم عليه أن يبكي بحرقة لفقده أبيه؟ كان عليه أن يحزن، ولكن لم يفعل، نظرات الناس إليه كادت تقتله، يشفقون عليه بينما هو كان يسير مندهشا من فظاعة إحساسه.
لم يهتز رمشه حزنا لفقد أبيه كما اهتز قلبه حزنا لفقده الحذاء!!
فما كان منه إلا أن يعبر عن حزنه وقهره على الحذاء متظاهرا بالحزن على أبيه أمام الناس، وشعر لأول مرة في حياته بأن كثيرا من الأشياء التي لا تملك روحا؛ تملكنا حبا و ننتمي إليها أكثر بكثير من انتمائنا لقربى الدم.

أضف تعليقاً