أشعلت ْ فتيل ذاكرتها وحفرت ْ خندقا ً بعمق معقول لكيانها وفكرت ْ بثلم طوق طهارتها ألا أنها لم تدخله حيز التنفيذ/مشروع مؤجل ، الصغار في سابع نومة ، يتسلل الضوء من شمعة تتوسط الدار فيضفي على الغرف ضوءا ً خافتا ً شفيفا ً ، أغلقت ْ ظلفة الباب بالكامل وظل الضوء يتسرب من تحت الباب وبعض الشقوق، خلعت ْ ثوبها وظلت ْ نصف عارية ، وقفت ْ قبالة المرآة لبضع دقائق ،لم ترَ غير لمعان ذراعيها وصدرها وما تحت الركبتين، حاولت ْفتح الباب قليلا ً لتر بعض الملامح الأخرى لكنها عدلت ْ عن الفكرة وعادت ْ لتلبس ثوبها ، كان رأسها يماطلها منذ البارحة بمقتربات ما كانت لتخطر على بالها مذ غادرت ْ غسل الجنابة ، ولان سوق الجمعة لا يبتعد عن منزلها سوى خطوات من الخجل فكانت بوصلة الروح تشير باتجاه السوق في أول انعطافة لمجابهة قرقرة البطون الخاوية لثلة من الأطفال الذين رشّقهم الزمن حد النحافة ، قبل ستة أشهر دب الصفار في عباءتها من أعلى الرأس ومخرج اليدين وانتشر تدريجيا ً ليغطي رقعة العباءة الممتدة من الهامة الى أخمص القدمين،صارت أميل للصفار منه الى السواد ، في هذه السنة بالذات بدأ الذبول يدب في بعض مفاتن الجسد،الخدين ، الصدر ، دوران الوجه،السيقان المبرومة.
في صباح أقرب الى الصفار من البياض أقرب الى الشهوة من الزاد -لماذا اجتاحتني الشهوة هذا الصباح بالذات وأنا أخطو أولى خطواتي الى سوق الجمعة – ، جمعت ْالصابون والتايد فلم تعد بحاجة الى غسل الواقع ، اكتالت ْ غرزة عميقة من كيس الفاصوليا الذي يتسيد الكمية على الدوام ووضعته في علاقة مصنوعة من أكياس الطحين الفارغة ، جالتْ ببصرها في أرجاء الغرفة بحثا ً عما تبقى من مفردات البطاقة التموينية ، أرتطم بصرها بصورة زوجها المزججة في منتصف الغرفة الى جانب صور الأولياء والصالحين وهو يرتدي بزّة عسكرية كان قد التقطها قبل أربعة أشهر من غيبته الكبرى فعدلت من نهب المزيد من كمية الشهر الفائت.
كان رأسها يماطلها طوال الليلة الفائتة فلمّا حملت ْ حملا ًثقيلا ًفوقه صار الهم ينزلق أمامها كحجر ، لقد تطاولت ْ الفاقة وبسطت ْ نفوذها على كامل رقعة تفكيرها ، ظلت الحيرة تواريها ولم تطأ حافة السوق بعد ، أنزلت ْ البضاعة من على رأسها وهي تنظر اليها كجنازة ورغبة البكاء عالقة إلا ّ أنها أرجأتها الى حين احتواء الحالة بالكامل ،
زجتْ بضاعتها في فجوة بالكاد حصلت ْ عليها محاطة بامرأة سمينة يتكيء ثدييها على كرش أحدب متربعة خلف تل’ من الملابس المستعملة التافهة الألوان ،على يمينها يصيح بائعو البالات بأصوات متحشرجة أقرب الى النباح ،بلاش، أربع قطع بألف دينار ،أمامها بائعو المدفآت المستعملة والجديدة ومفكات البراغي والمطارق والفؤوس ، بائعو الطيور الجميلة محاطون بفصيل من الأطفال والصبيان وهواة الطيور الزاجلة وطيور الحب التي تتبادل القبل عن طريق عض المناقير بتودد وألفة يغريان على الشهوة والاحتلام أحيانا ً ، طريقة التقاط حبوب الدخن وفصل اللب عن القشرة ببراعة وسرعة متناهية تثير الانتباه أيضا ً ، لا يوجد في هذا السوق شيء لا يباع من المواد الغذائية مرورا ً بالكومبيوترات وليس انتهاء ً بالأحجار الكريمة ودفاتر الخدمة العسكرية المزورة واجازات السوق .
حدث شرخ بسيط في تفكيرها لم تجسده الى واقع ملموس بعدما ملّت ْ من انتظار من يشتري بضاعتها ، ولم تجرؤ أن تفك اللثام عن وجهها الذي مازال محصنا ً من مزالق سوق الجمعة ، دنا منها صبي لم يحتمل تراكم المراهقة على ما يبدو ، توغل عميقا ً في عينيها وما يحيطهما من بياض، عيناها الواسعتان ، الجزء الوحيد المكشوف من وجهها ، كانتا واسعتان ، براقتان ، سوداوان يحيط فصيهما شحم أبيض ناصع ، الولد أشعل السيجارة الثانية قبالتها ولم يمر على وقوفه أكثر من ربع ساعة ،الكل يحدق بعينيها ويمضي دون أن يعاملها على بضاعتها ولو كذبا ً أو تحرشا ًباستثناء الولد المراهق الذي لا يكف عن التدخين والتحديق بوجهها – ما لهذا الصبي ألأرعن لا يكف من النظر إلي ّ؟ لماذا لا أدير وجهي أنا عنه ؟
طالت ْ المدة وتبددت ْ أحلام النزوة والتجارة وبدأ المتبضعون بالعد التنازلي ولملم بعض البائعين عفشهم ومازال الولد يبحر في وجهها / هي أيضا ً ، أحيانا ً يطقطق أصابعه ويصفر بهدوء باتجاه طيور الحب الملونة التي انباع أكثرها وبدا على صاحبها علامات ألانصراف من السوق .
تقدم الولد إليها ، وقف على البضاعة ، التقط صابونة وشمّها بنفس عميق ثم أعادها الى مكانها وعاد هو الى مكانه قبالتها يدخن ( الآن وصل اثنان من أولادها فألقمتهم الخواء وأمرتهم بالعودة الى البيت كي لا يفسدوا عليها نواياها – هي لم تنو شيئا ًلحد الآن )
حاولت ْ أن تعدل من وضع اللثام / البرقع ذي الفتحتين الواسعتين التي تؤطر العينين ، فلت ْ البرقع ورفعته بقصد وأعادت ْ لفه على مرأى من الصبي ان لم يكن المشهد خصيصا ً له ، بان كامل وجهها والرقبة ورقعة لا يستهان بها من الصدر ، اقترب منها بائع بالات لم يبعد عنها إلا أمتارا ً قليلة كان يراقبها مذ وطئت ْ سوق الجمعة : –
– كم سعر هذه الكمية ؟
– أي منهم – الصابون ، التايد ، الفاصوليا ؟ قالتها بصوت ناعم لا يكاد يسمع بوضوح إلا ّ انه التقطه بوضوح .
– الكل .
– ألف دينار .
– مسكينة ، أنت لا تعرفين الأسعار، هذه ثلاثة آلاف دينار .
– لماذا ؟ لا داعي لذلك .
– أنت لا تعرفين الأسعار ، ألم أقل لك مسكينة ، هذه قيمتها الحقيقية ، تستاهلين .
صار كسر طوق الحياء ( ربما الطهارة ) أقرب الى حيز التنفيذ بالرغم من ضيق الوقت وزحمة المكان ، ظلت ْ جالسة بمكانها دون أن يكون أمامها أي من بضاعتها لدقائق ثم نهضت ْ ببطء وسقطت ْ عباءتها على كتفيها ثم رفعتها على رأسها وغادرت السوق كمن يخفي نفسه من فضيحة .
مرّ أسبوع وهي تناور نفسها كيف تدخل السوق هذه الجمعة / فرشت ْ أفكارا ً وطروحات وخروقات ، كانت عملية تأهيل نفسها قد مرّت ْ بصعوبات لكنها اختزلتها بسرعة عندما اتخذت ْ قرارا ً نهائيا ًحيث غرزت ْ في هذه الجمعة كمية اكبر من سابقتها من الفاصوليا فقط وذهبت بها الى نفس المكان الذي تربعت عليه الجمعة الفائتة، وجدت الصبي وقد احتل نفس المكان ليدخن أمامها ، إلا ّ أن بائع البالات لم يفترش مكانه بعد ، أسفرت ْ عن كامل وجهها في هذه الجمعة وهي تبحث من مكانها عنه ، مرت ْ بهواجس عصية وهي تتلمظ عواطفها أمام طيور الحب التي لا تكف عن الزقزقة حينما تضع مناقيرها في مناقير البعض والتزاوج أحيانا ً ، البائعات المتمرسات في سوق الجمعة لا يبالين بترهل حجاباتهن ليظهر بعض من شعرهن وآذانهن وأسفل الحنك والعباءة تنزل من الرأس لتستقر على الكتفين والمزاح مع البائعين بذريعة ألأخوة والغزل الذي تختلط فيه النوايا الحسنة من المبيتة ، أقترب منها الولد المراهق وقد حسّن من وضعه الخارجي مرتديا ً بنطلونا ً من الكاوبوي مع تي شيرت أسود اللون كتب عليه بخط عريض free ومسك حفنة من الفاصوليا التي تلمع كأنياب عاجية وظل يشم بها كمن يقبل حبيبته ثم أعادها إلى مكانها دون أن ينبس بكلمة ، عاد هو الى مكانه ليدخن كالعادة وهي تنظر إليه بابتسامة عريضة ، وصل الآن زبونها بائع البالات الذي افتقدته وهو مبتسما ً وقد فوجئت ْ به : –
– الله ..ما عرفتك ِ.. هل أنت ِ الذي اشتريت منك الجمعة الفائتة ؟
– نعم أنا .. مبتسمة .
وضع ثلاثة آلاف دينار في راحة يدها بقوة دون أن يتعامل معها أو يسألها عن وزن الكمية وتقبلتها بقبول حسن ، بعدما ذهب بعيدا ً ولم تعد تميزه عن الآخرين تذكرت ْ أنه نسي الفاصوليا ، إقتربت ْ من الولد المراهق ، فلّتْ حجابها وبانت ْ كامل رقبتها ولفته ثانية ، بائعو الخردة ينظرون إليها وكذلك بائعي البالات ، الطيور ، المدفآت ، … ،
البائعات المتمرسات تهامسن وضحكن والإيماءات لا يعرفها إلا ّ الراسخون في السوق ، صار خندق حياءها شبه مفتوحا ً على القواعد الشعبية وبان على غريزتها التأجج ، سألت ْ الولد : –
– لماذا تدخن بهذا الإفراط ؟
– كي أطفيء نار الجميلات اللواتي يحرقن قلبي .
– ابتسمت ْ منشرحة ، أنت جريء وظريف وتعجبني .
– كم سعر الفاصوليا ؟ سألها ,
– ألف دينار .
– تفضلي هذه ثلاثة آلاف دينار .
– هذا كثير.
– لا..أنتِ لاتعرفين قيمتها ، هذا سعرها الحقيقي – تستاهلين – وغرز المبلغ في راحة كفها بقوة وتقبلته بقبول حسن ، وسألها ، وإذا عاد الرجل الذي نسي الفاصوليا ؟
– كنت تراقبني ؟ ها ..لا.. سأعوضه انه أقربائي ..نعم ابن عمي ومتزوج من اختي .
– انه شيطان ..أعني شاطر .
– تعرفه؟
– طبعا ً .. وهل من أحد لا يعرف هاشم ، وما أدراك ما هاشم ، كان يحب أمي ، يموت عليها ، لكنه أهملها في السنوات الأخيرة ،مذ بدأ يعمل في سوق الجمعة واحتقن وجهه بضحكة صامتة سرعان ما انفجرت ْ
– وكيف عرفت ، أما يغيضك ذلك ؟
– يوميا ً يأتينا في ساعة متأخرة من الليل ويدخل مع أمي في الغرفة ويغلق الباب خلفهما ويبق َ حتى الصباح .
– ألا تستحي من ذلك ؟
– وهل يصح أن يتدخل أحد في شؤون أمه ؟ أنها تمارس حقها ، هو ابن عمك ومتزوج من أختك ؟ أشعل سيجارة جديدة وضحك عاليا ً وانصرف ، هي تنظر الى الدخان وهو يخرج متقطعا ً على شكل دفعات مع القهقهات التي اختلطت ْ بقهقهات البائعات المتمرسات اللائي كن يتابعن الموضوع بعناية ، هي تنظر الى آخر خيط من الدخان وقد بدأ الولد يضيع في الزحام وقد ترك كيس الفاصوليا مثلما تركه أبوه قبله بقليل ….
- على حافة من سوق الجمعة
- التعليقات