السّماء دكناء مكفهرّة كقطّة سوداء حدقاتُها تتناثر على وجهها في فوضى غريبة..
مركب مهجور موثق إلى الميناء يهدهد المدُّ والجزر صدره المثخنَ مِزَقا..
يندسّ كعصفور مقرور في حضن المركب المهجور يحتضن ركبتيه ورائحةُ خَيش نديّ متعفّن تكاد تخنقه وهو به يلتحف..
عيناه ترمقان اليمّ الأسود من شرخ في القارب، تتسلّلان خارجه في خفر تخشيان تفطن حارس الميناء إلى المختبئ المقرور الحزين…
الموج يتدافع في سباق محموم هائجا ثائرا حاملا على الشّاطئ حملة ألف كواحد في الوغى، يفزع الرّمال الجاثية تتوق إلى وصال، يُجفلها، وحين يقترب منها يتهاوى عليها ناعما كشال حرير، يتمسّح بأذيالها، يلثمها في تذلّل كسير، ثمّ يتراجع نائيا كأنّما يجيش صدره بألف اعتذار..
“أنّى أصابت البحر عدوى العشق..؟”
أثمله السّؤال وهويتربّع في ناصيته.. لا مجال لاختلاق الأكاذيب في حضرة حمّى الوله ذي..
ظلّ يتأمّل حملات العتابات ومخملَ الوصال والنّبض في كرّ وفرّ..
” من أين تراه ينبجس ذا الموج وأنّى تراه ينكفئ..؟ لابدّ أنّ ضفّة المتوسّط الأخرى هي المولد والقبر..”
سربله حنين حارق ..
هناك.. على تلك الضّفّة كم ردّدا أشعارا، كم رفرفت بينهما همسات نزاريّة، كم تغنّيا بترانيم الزّمن الجميل..
ردّدت مرّات:” أنا بعشق البحر..”
كم لهج صوته:” كبر البحر بحبّك..”
كم ثمل الكون المُتَلَفْلِف في بُرد الغروب بضحكاتهما وأمواج البحر تلثم أقدامهما الحافية، تُغافله فترتشف رحيق قدميها، تتشبّث حُبَيباتها بعناقها ثمّ تنكفئ مندسّة في اليمّ تخشى ثورة غيرته…
همس خافقه محموما:” آه.. كم اشتقت إليك.. أترى ذا الموج القادم ضاجّا بنداءات الوصال يحمل بعض ريحك..؟؟؟”
أصغى..
تناهت إليه همساتها تنسكب مع ذرّات الماء المتناثر على القارب فارّا من موجة
محمومة..
داعبت أنفاسها الولهة وجهه المقرور..
اشتمَّ شذى عطرها يتغلغل في مسامّه..
أسكره دلالها وهي تداعب سطح الماء، وعيناها ترحلان بعيدا..
سكنه جنون ضمّة تروي بعض ظمئه، مدّ يده من شرخ القارب إلى الموج الهادر…
طقطقة..
الخَيش النّديّ يرتفع..
يتكوّر عاشقا مقرورا على حنينه ووجله ويتجمّد في مكانه..
رائحة كريهة.. خمر وأشياء أخرى..
جسد مترهّل يرتمي في القارب المهترئ ..
راحته لا تزال خارج القارب تستجدي شذرات من ريح وصال قديم..
قلبه يكاد يقفز خارج صدره وجلا..
الجسدان يتزاحمان في صمت.. تلفّهما الظّلمة..
يتعلّق بأهداب الصّمت..
تزعجه بعض أنّات صادرة عن المخمور الذي بات يزيد اختناقَه بالعفن اختناقا..
يصغي..
إنّها أنّات أنثى…
ليل وبحر ومركب ضيّق وأنثى مخمورة…
يكاد يقهقه..
” يا لَهِبَة الشّاعريّة.. رحماك ربّاه..”
يهمس بصوت أخرس ووجهه يغرق في وابل دموع..
سياط الوجع تجلده..
“ألهذا غامرتَ واختلست إلى هذه الضّفّة ارتحالا كجرذ أجرب محشور في قبو سفينة سماسرة الحياة..؟ لا عمل ولا مأوى وخوفٌ مرير من عيون لا ترى غير الغرباء…؟
والدة هناك.. خلّفتها تحتضن محارق الغياب..
وحبيبة ما ودّعتها، تندسّ في حضن خيبة وانتظارات..
ووطن بِبَحْر من المنى..
ما ضرّك يا إسماعيل لو ظللت منغرسا شامخا كزيتونة هناك..؟ في الضّياء حمّالا يعبق عرقك بشذى خمائلكم، وفي الدّجى غاسل أطباق في حانة الميناء تَزرع في الأفق تباشير الحلم..؟
كنتَ ملكا.. لك منزل وفراش وفيءُ أمّ حنون، وحبيبة أشهى من الشّهد أشذى من الورد أرقّ من النّدى.. هناك كان الفردوس يا إسماعيل، والجحيم هنا…”
يهمس النّبض بغضبة البراكين..
يغرق في آبار حزن..
يضع كفّه على فمه يُخرس نشيجا وشهقات باتت تتوق إلى فرار..
ينتبه إلى كفّه الأخرى الرّابضة خارج المركب وقد نسيتْ لمَ تسلّلتْ..
أسرع يُدلفها وقد تشظّى بين نشيجه وضحكة ساخرة كَسَتْ روحه..
تباشير الفجر تلوح من ذات الشّرخ..
الجسد المترهّل غارق في نوم ثقيل..
كخيط حرير يخشى تقطّعا استلّ جسده من المركب المهجور وتبع خطاه تقوده حيث لا يعلم..
في تلك الخطى كان يينع حلم العودة “إلى إسماعيل”.
- على ضفّة الحياة..
- التعليقات