و أخيرا، و بعد لأي، و مجهودات جبارة، وإصرار لا نظير له، تمكنت من الحصول على موعد لإجراء عمليات التجميل.
تقول لي، بنوع من التحدي: سأعود جميلة كما كنت، بل أجمل. و إن كنت لا تصدقني.
و دخلنا العيادة، وخضعت لعمليات كثيرة كللت بالنجاح، نظرت إليها فأصبت بالاندهاش، بدت في أحسن حلة، حتى إني لم أعرفها بعد أن أزالت عنها الأشرطة و الشاش، كما لو أنها خرجت من سيلوفان، نقية وجديدة.
استرجعت الماضي:
كنا نترقب إطلالتها، و هي البدر ، من شباكها بكل شوق لنستحم بضياء وجهها المشرق في طهر، و حين تلقي لنا بقبلة في الهواء ندخل في صراع شديد و كلام قاس حول من المقصود،، نتدافع بالمناكب، ننهش بعضنا، و كان الكبار يتابعون تناطحنا بسخرية و يرموننا بضحكاتهم الساخرة..و كنت أتميز من الغيظ، إذ لم أرغب أن يقاسمني أحد ابتساماتها فبالأحرى قبلاتها البريئة..
غاضت الابتسامة من وجهها، كانت تستقبلني بها فأستيعد بسرعة حيويتي، ابتسامتها بلسم لنصبي، تداوي جراح الزمن و أثقال الواقع المر،
قبل أن أولج المفتاح في القفل، و أعالجه لأفتح الباب، و من ثم السير باتجاه ابتسامتها الحانية، العذبة و الزلالة، تخطر ببالي أن أبتعد هاربا، فأنا على يقين من أنها منشغلة بجمالها، تنظر إلى المرآة و تتحسر على وجهها الذي ذهبت نضارته، و ترغب في أن تعيده سيرته الأولى، و على يقين من أنها لن تسلم علي، بل ستطلق علي سهام كلماتها المرة :
_لم لا تريد أن تصدقني ؟ انظر إلى جيدا..إنك حين تشيح بنظرك بعيدا عني تؤكد لي بما لا يدع مجالا للشك في أني لم أعد أعجبك..قلها، كن شجاعا، عقد من الزمان مر على علاقتنا، شوه جمالي..
و كانت فعلا جميلة، و كان شبان الحي يتنافسون في ما ينهم للظفر باهتمامها، و استطعت أن الهب قلبها بقصائدي المفعمة بالمشاعر الدافئة..و قد نلت عداوة أصدقائي..و فزت بها..صحيح أنها كانت تمتلك وجها ملائكيا يشع نورا و طهرا.
لو أنجبت لي طفلا، لربما وجدت مجالا تفرغ فيه اهتمامها، بيد أن عنادها و رفضها بإصرار فكرة الإنجاب رسمت مساحة فراغ عاطفي كبير لم أستطع ملأه بكل ما أوتيت من حنكة و دربة و دراية..
قالت لي بحسم :
_لن أنجب..
_و لمه ؟
_ لا أرغب أن أفقد رشاقتي، انظر إلى الحوامل، شكلهن يثير اشمئزازي، لا أحب أن أصير مدورة ككرة، و يصير ثدياي كباذنجالتين جافتين و متهدلتين، هل ترغب لي أن أتحول إلى كائن مشوه ؟ أن أصير قبيحة الشكل؟
_لا، ابقي ملاكي الجميل !
_ هل تسخر مني ؟
و لكوني لا أريد مواصلة حوار لن يقودنا إلا إلى عراك، فقد احتميت بصمتي و تركت سيل انتقادها يغمرني..
أنفقت أموالا كثيرة في شراء مستحضرات التجميل، و كل مرة تطلع لي بوصفة جديدة سمعتها من خبيرة جادت بها علينا شاشة التلفاز، أو حكيمة أفرغت على مسامعنا، من المذياع، تجرتها الناجحة في الحفاظ على نضارة الوجه و رشاقة الجسم ..فتسارع إلى تحضيرها بعد أن أقوم بشراء عناصرها، تخلط كل ذلك بدقة متناهية، و الويل أن نسيت أو سهت، فحينها تقلب حياتي جحيما، و تحملني مسؤولية الخطأ الذي وقعت فيه..أتحمل لعناتها بصبر أيوب، حتى لا أجرح عواطفها، و كيف لي أن أفعل ؟ سينقلب المكان إلى ساحة حرب، الخاسر فيها أخوكم الضعيف..
وجدت زوجتي،بعد العمليات العديدة، وقد قضينا في خارج البلد شهورا، و أنفقنا أموالا كثيرة، قد صارت شبيهة بأولئك المغنيات اللواتي يشغلن قلوب المراهقين، و يلهبن خيالهم.
و نحن في المطار، قدمت للمسؤول على التأشيرات الجوازين، ختم جوازي وسمح لي بالمرور..
كنت أبتعد، بخطو سريع و حاسم، وكانت خلفي، واقفة تنتظر دورها.

أضف تعليقاً