” مُنَى ” إنسانه تحب البساطة فى كل شيء ، هادئة ، حنونة ,تقطر حُبَّاً و براءة ، طيِّبة القلب ، رغم صدمتها كل يوم فى بعض صديقاتها وفي بعض الأقارب ، لاستغلالهم طيبتها وكرمها ، إلَّا أنَّها ثابتة على مبدأها : الحب للجميع وحسن الظن إلى أن يثبت لها العكس ، لكن مع تكرار الصدمات ، أصبحت حريصة في تعاملها بعض الشيء ، إلى أن التقت به فى عملها ، جاء من محافظة أخرى , انتقل من عمله هناك ، وسيم , دمث الخلق , متواضع رغم علمه وتدرُّجه الوظيفيِّ ، معطاء
وأهلٌ للثقة .
لم تهتم به،تعاملت معه بلا مبالاة , لكنها كانت تراقب أفعاله بصمت ، وتسمع ثرثرة زميلاتها عنه ووصفهم النبيل له , والإشادة بمدى رُقيِّه وسِعة أفقه ، وجاء يوم شاء القدر أن يجمعهما معاً وحدهما عند باب الأسانسير ..وتجاذبا أطراف الحديث , هالها كَمُّ الرُقي والتحضُّر..إنَّه رَجلٌ مختلف عن الآخرين , افترقا عند باب الشركة , وفى اليوم الثانى لاحَظَ ” وليد ” تغيُّرها وشرودها..سألها : ماذا بكِ ؟
نظرَتْ إليه وكان هذا هو وقت ساعة الراحة من العمل..وجدَتْ نفسها تحكي له عن مشكلة بسيطة مع محلٍّ تجاريٍّ تتعامل معه…أخذ منها العنوان وحَلَّ لها المشكلة ، تهلَّلَ وجهها وهو يَرُدُّ لها مبلغاً من المال كانت قد دفعته كانت قد دفعته لصاحب المحل التجاريّ ، فعلمت أنَّه استطاع حل المشكلة , نظر إليها وليد بحنو قائلاً
عَهْدٌ بيننا سأظل ذلك الأخ والصديق ويد العون الممدودة لكِ بحُب طوال الوقت ، تعاهدا على ذلك , وقالت هى : وأنا سأبحث لك عن عروسة لتكتمل فرحتنا ،وكان أخبرها من قبل أنَّه لم يجدها بعد على مستوى تفكيره .. استمرت العلاقة بينهم وتوطَّدت الصداقة أكثر يوماً بعد يوم..فكانا معاً فى العمل وفى المساء يثرثران معاً فى كل شيء . تعوَّدتْ أن تستشيره فى كل أمور حياتها مهما كانت صغيرة وأحياناً يختلفا ويتشاجرا ثم لا يلبثان أن يتصالحا فى آخر المحادثة .
كان يدعوها ش أ(شقيقة الروح)وكانت تدعوه ص أ(صديق العمر) , استمرَّ على هذا الحال إذا تقدَّم أحد لخطبتها تستشيره ، وهو يفعل نفس الشييئ إذا لفتت فتاة انتباهه ،وفى النهاية لا يقتنعان..تعدَّد اللقاء وأصبح صديقاً للأسرة , يزورهم بالبيت وقتما يشاء .
ذات يوم ذهبت إلى عملها.. وقد تعوَّدَتْ أن تتناول الإفطار معه .انتظرت وطال الانتظار. .وبدأ يساورها القلق عليه , وأوقده اتصالها بهاتفه دون أن تسمع رنيناً , بل سمعت رسالة تقول(هذا الرقم غير متاح) , لم تستطع السيطرة على أعصابها ، كادت تُجَن ، ووسط همس ولمز بعض الزملاء ، قالوا لها بعد سؤالها عنه : وليد طلب أجازة أسبوعاً , ألم يبلغك ؟! , غريبة ، لم يَخفَ عليها أسلوب التهكم والسخرية في كلامهم..لكن شغلتها أسئلة كانت تدور برأسها : ماذا حدث له ؟ ولِمِ لم يخبرها ؟! ومادت الأرض بها..لأول مَرَّة منذ عامين تشعر بالوحدة ، وشبح الضياع يُخيِّم على أيَّامها..لم تعد تهتم بشيء أهملت صحتها , وعزفت عن الطعام والكلام ، كل ما ترجوه أن تسمع مكالمة منه أو رنين هاتفه ،شحب وجهها وأختفى بريق الحياة في عينيها ، الأيام أصبحت مُمِلَّة بلا مذاق ولا نكهة أو لون ، وَهَنَ عودها , و اختفت اناقتها ..لازمت الفراش ، اكتشفت أنَّها خلال عامين لم يكن لها صديقات ،لقد ابتعدت عن الجميع..واكتفت به هو الأب والأخ والصديق وَ……! توقَّفَتْ فجأة عن محادثة نفسها..ساد صمتٌ موجعٌ , وهطلت من عينيها دموعٌ كالجمر , مع تنهدات القلب…أدركت الحقيقة الغائبة عنها وحدها ،لقد أحبَّته كل
الحُب ، ويوم رَنَّ هاتفها نظرت إليه بعدم اكتراث , فقد سئمت من لهفتها على مكالمة منه .. لكنه لم يجرِ مكالمة واحدة تُطمئِن قلبها عليه ، عاد الهاتف من جديد يرنُّ ، وبخطوات متثاقلة وصلتْ إليه وعندما نظرت إلى الاسم , شهقت شهقةً أوجَعَتْ قلب الكون , وبيد اللهفة تناولت الهاتف وهى ترتجف : الووو..أين كنتَ ؟! أأنتَ بخير..؟! لِمَ لم تخبرني ، لَم أتعوَّدْ القسوة مِنكَ ، أهُنْتُ عليكَ ؟! قال : انتظريني فى المساء سوف آتي لزيارتكم وقد أحضرت لكِ مفاجأة ، أعلم أنها ستسعدك .. وتغفري لي غيابي عنكِ . أغلقَ الخَطَّ , تركها فى بحيرة حيرتها .. ترى ما هي المفاجأة التى يتحدث عنها؟! ، وشطحت بخيال قلبها بعيداً : لا بُدَّ أنَّه سافر ليستشير أهله ، و جاء ليطلب يدها , رُبَّما المفاجأة هى خاتم الزواج.. رُبَّما و رُبَّما و رُبَّما…. وهى تدور حول نفسها فى غرفتها من نشوة السعادة ، اصطدمت بمرآة الحائط..وعندما نظرت فى المرأة هالها منظرها قالت لم يتبقَ وقت لا بُدَّ أن أصفِّفَ شَعري . زيَّنَتْ البيت بالورد , رائحة الياسمين انبثقتْ من كل زاوية وركن ارتدت الفستان الأحمر الذى كان يعجبه ، وتورَّدتْ وجنتاها , وعاد بريق الحياة إليها..وأخفَتْ “بالميك أب ” بعض هالات الهزال حول عينيها ، ولم تنسَ العطر الباريسيِّ الذى كان يَشِيدُ به..واااأخيراً دَقَّ الباب , هرولت هى إليه وعندما رأته أمامها لم تتمالك نفسها ارتمت بين ذراعيه صارخة اشتقت إليكَ ،كدتُ أموت في البع……لم تكمل الكلمة وقعت عيناها على وجه فتاة خلفه ، تنظر لها وهي تبتسم ، سحبت ذراعيها فى خجل وقالت بصوت يشبه الهمس أختك ، تشبهك بعض الشيء ، حملق إليها من ذهوله قائلاً بل زوجتي ، لم تتمالك نفسها،،سقطت مغشياً عليها..وسط تبريرات الأهل والاعتذار بأنها كانت مريضة وتعالج منذ سافرت ، استأذنا وانصرفا بعد أن أطمئنا عليها..وبعد توصيله زوجته إلى البيت،لم يصعد إلى الشقة وتعلل بشراء بعض الأشياء.. اتصل بها على الفور..ردَّتْ بعصبية صارخة لماذا فعلتَ بي هذا ؟! تركتني أحبك وأتعذب بك لماذا لم تخبرني أنكِ تحب ؟
قال بدموع الأسى : لم تكن لدي رغبة بالزواج ولم أعشق سواكِ قَط…لكنني خشيت أن افقدكِ , كنتُ أحافظ على العهد , وهنا أفاقتْ وتذكَّرَتْ في أوَّل معرفتها به .. لقد قالت له فقط احتاجك أخ وصديق…فإذا تفهَّمْتَ ستدوم صداقتنا التى اعتزُّ بها , وإلَّا فقد تفقد أختاً تُكِن كل الود والتقدير لكَ….قالت بصوت مبحوح : أيُّ عهدٍ
أيُّ عهدٍ ..!! لقد كان ذلك قبل أن تحتلَّ قلبي ، وتنفذ فى مسامي..لقد فقدتكَ اليوم مرَّتين . قال : ليتني كنتُ مِمَّن يخونون العهدَ .. ليتكِ أخبرتِني وأنقذتِني من عذابى الذى كاد أن يقضيَ عليَّ..لكنَّها كَفُّ القَدَر !

أضف تعليقاً