استيقظت على وَجَع ضِرس أراد مُرافقة يومها،ربما لأنها رفضَته عندما اقترح عليها أن تأخذ رقم هاتفه وتُهاتفه في وقت فَراغها ،فقرَّر أن يتملَّك فراغها بتسبيبه للألم؛ فإما أن تَنشغِل به أو به، ففي كلتا الحالتين ستتألم، ولا خيار أمامها فإما أن يكون الأمل حلوا ولا يدوم، أو يكون مُرًّا و يدوم، فبعض الأمل حُلوة بدايته و نهايته علقم، والثاني مُرَّة بدايته ونهايته حنظل.
هكذا قضت صباحها بين الواقع و الحلم، فلا الحلمُ واقع ولكن الواقع كابوس و ليس حُلما، قررت تجاهلهُ و بالفعل فعلت، تناولت فَطورها كمعتادها و كَأَنّ لا شيئ تنشغِل به ولا يَنشغل بها،رغم أن الوجع لا يُقاس بل الموجوع فقط الذي يحسُّ ولا يقوى حتى على الوصف،فالوجع لا يتم بلوغ منتهى وصفه بالكلمات بل فقط بالتجربة.
مُجابهةً للألم الاَّمطاق، قررت خلعه قرارا ً لا رجعة فيه؛ ظَنّت أن إزالته بأربعة جذورٍ عميقةٍ ستكون عملية سهلة،سلسة ك إزالة الشعرة من العجين، وما حسبت أنه العذاب بعينه. ارتدت ما استطاعت يدَها حَملَه من ثياب،و بوجه شاحب يضم مقلتان -أنهكهُما التَّعب و أغرقتهما الدموع كالزوارق-تُعانقان نظَّارة شمسية قاتمة تُكَحِّل عَينَ الشمسِ في الزوال؛بهاته الصورة الشبهِ حيةٍ أشارت لسيارة تاكسي لتوقفها مُحتَجَّةً أن الأمر يَستدعي العجلة.
نظرا لما يعيشه العالم من سرعة،استطاعت بُلوغ مبتغاها بسرعة؛ و الذي كان عيادة طبيب الأسنان الأقرب لبيتها،لكن بحكم سوء الحظِّ الذي يُعاشرها منذ مدة طويلة وجدت العيادة مغلقة،فَحُكِم عليها بالإنتظار، كان القاضي بها رحيما كما قالت، فها هي لازالت تنتظر أمانيها المُعلقة أن تتحقق قسرا. كُسِرَ سهوها عبثاً عندما فُتحت العيادة، لم تنتظر لأن تسجّل الممرضة حضورها، فباغَثت الدكتور في غرفة معالجته تشكو له ألمها بصوت ملأهُ الشيب غناءً ، ما إن حَملق فيها الطبيب متعجبا حتى لم تدرك كيف عساها ستبتلع ريقا في حلقها قد عَلِق ؛فقد أُغرمت بالطبيب من النظرة الأولى، سألها كاسرا لجو النظرات المتبادلة مما تراها تشكو؛ شرحت له الألم الذي رَاودها عن نفسها فاستَعصمت وباغثَته بدورها.
أشار لها بالإستلقاء على كرسي العلاج،فانصَاعت للأمر دون النبوسِ ببنة شفة واحدة.
ما إن التصق جفناها إلاّ وتخطفها النوم صافاتٍ من على كرسي العلاج، غَفَت إلى أن أيقَظَها ضجيجٌ بريئ، ضجيج من نوع آخر، حنونٌ و جميل،لكن احتجت قائلة،مُتصنعة بعضَ الغضب: “آآه لِما هو صُراخ الأطفال مزعج لهذه الدرجة،كلما صرخت مَيّاسة أحس أن صراخها راقَصَ دماغي ارتجاجا و عاد لِطبول أُذني إزعاجا، دون أن نتكلم عن يوسف فهو استثناء لوحده، لكن في الأخير يظلون أبنائي، حشاشة فؤادي و نصف كبدي،هم حرمتي وفي ذمتي وكل راع مسؤول عن رعيته. ميّاسة و يوسف هوما توأما مقلي اللذان تكرمت بإنجابهما من وسيم ،هذه الأسرة التي أمامي الآن هي رَفدٌ من رب العباد؛ لو شكرته عليها مدى حياتي لن أوفيه حق شكره و أكفيه.
مرت تلاث سنين سمان أكلن ما مر من السنوات الهالكة العجاف، تزوجته لأني أحببته، فقد عاهدني أنه لن يسمح لأي شيئ بإيذائي، مازالت الكلمات التي قالها لي أثناء عرضه الزواج علي تتردد في أذني و يعاد صداها في كل مرة أراه نائما جنبي،أقسم لي قائلا أنذاك :” كما أزلت ألم أسنانك بابتسامةٍ سَأمحي الألم من قاموس حياتكِ وحياتنا كأسرة”.
ما أحلى الحياة حين تكون لِصفِّنا، متضامنة معانا،لا تتأرجح معنا و تلاعبنا الغميضة.
سَطَّرت هاته الكلمات في أواخر مُسوَدّةِ كتابها الذي شارف على الإنتهاء،ثم فجأة جاء صوت فرامل سيارة مسرعة من الخارج،فامتزجت الأصوات معا:صوت ا الكبح، و صوت الصراخ القائل ابتعد عن الطريق، أحسستُ برعبٍ اعتراني من أعلى رأسي إلى أخمص قَدماي،لسبب مجهول أدركت أن المدهوس المسجى على قارعة الطريق ابني،فلم أستطع الخروج من شدة صدمتي و دهشتي وخوفي ،فظَّل حلِّي الوحيد الصراخ و الولولة كثَكلى البوم.
خرجت لأشهد حادثة ابني لكن رِجلاي لم تستطيعا حملي لرجفتهما القوية جراء الخوف،أمسكتُ حبيبي الصغير بين ذراعي فلا الدموع كفتني ولا قلبي ثَبُتَ في محله، ظللت فقط أردد اسمه:” -يوسف…يوسف.. لا تتركني يا ابني فلا صبر جميل لي على فراقك، انهض فقلبي إِبيَّضَّ منذ الآن، لا يتحمل غيابك…يوسف-و الدموع تنهمر دون أن تنسى شَقَّ طريقها في كلا الخدين، ظللت أولول إلى أن اعترى ظلامٌ عُيوني وغِبتُ.
بَدَأَت تفتحُ عينيها رويدا رويدا مُتعَبةً كأنها كانت تحمل عِبءَ الدنيا على صدرها و فوق جفن مُقلاها، أولُ ما لَمِحته و وجدته أمامها كان وَسيم، فما كان منها إلاّ أن أمسكت عُنقَ قميصه وأحكمت قبضته إلى أن تجعد عنق القميص ملتويا، فأردفت في تهجم تسأل:”أين يوسف؟لم غَفِلت عنه كل هذا الوقت؟”
ظل الطبيب وسيم يحملق فيها بتعجبٍ و شفقةٍ وعلامةُ استفهام كبيرة تَشغل باله “ماذا تراها تقول هذه المجنونة؟”
أمسكَ يدها بعد أن طَلب منها الهدوء ثم قال موضّحاً
-“يا آنسة ربما رأيت كابوساً أثناء غفوتِك، و ظللتِ تهلوسين،أظن أن هذا كله جاء جراء التَخذير”
-سألت”أي تخدير..كيف؟”
أجاب كي يُطفئَ فَتيل حِيرتها :
” عندما أردتُ إزالة ضِرسك اشتد بِكِ الألم،فما كان مني إلاّ أن أُخذرك دون عِلمك،إجبارا لأن صُراخك كان قويا و موجعا و شَكَّل عائقا لعملي”
انتَفَضَت من كُرسي المعالجة كمجنونة غير آبهة تقول : إذن الأسرة كانت فقط حلماً ،يوسف و مياسة حلمٌ ايضا، و الحادثة حلم؛ يا فرَحي لم أفقد ابني و يا وجَعي إذ لم أنعَم به لتقر عيني .
أَمسَكَت يسار صدرِها المنشق و خرجت مسرعة كأرملة رَكضت فور سماع خبر وفاة فقيدها، دُهِشَت لِهَولِها الممرضة،لكن الطبيب أومأ برأسه و هزَّ كتفيه في لامبالاةٍ صارخاً: “التالي”.

أضف تعليقاً