يعتبر البعض أن القصة القصيرة جدا عملية إبداعية حداثية ، بوصفها بنية لغوية قائمة على منطق المفاجآت الغريبة ، والتكثيف الدلالي المعقد ، والإيقاع المشحون الذي يكوّن لنا عالما كتوما على أسراره ، متأبٍ على الانفتاح اليسير ، مما يتطلب من القارىء أن يكون مسلحا بالتخيل الابتكاري ، الذي يمكنه من الدخول سريرية النص وإضماره ، والتفتيش عن الغائب فيه وفق قراءة واعية مرهقة ذات أبعاد كشفية ، لأن تلك القراءة هي الوجه الآخر الملازم لعملية الإبداع.
المفروض أن تأتي القصة الـ ( ققج ) بحمولة خطاب ذي تساؤل معرفي متعدد الدلائل ، متنوع الرؤى ، فيه شقوق تساعد على الكشف المستتر والمضمر المنفتح على آفاق التحليل والتركيب ، والانطلاق من المعلوم إلى المجهول ، ومن البسيط إلى المركب ، ومن المحدود إلى اللامحدود .
هذا على الصعيد النظري .
هناك من استسهل هذا العمل معتقدا أن ومضة مؤلفة من 5 كلمات تؤدي الرسالة الإبداعية ، كأن يقول ( اشتد وجيب القلب .. الشاشة سوداء ) .. وهنا عليك أن تحرق كمية من الفوسفور نزقا ، وتتخيل بقدر عمقك الثقافي المدلول المعرفي لهذه الومضة .. أو أن يقول آخر : ( كان لون الفرس أحمر صقيلا ، وسرجها أخضر لامعا .. كانت لذيذة الطعم ) ثم تكتشف أنه يتحدث عن الفجلة .. ثم يأتي من يقول له عبر مداخلة : رائع .. مبدع !!
[ ركبت مع سائق بلوشي في دبي ، كان يستمع في سيارته إلى أغنية جميلة لعبد الحليم حافظ .. قلت له : هل تعرف عربي ؟ أجاب باسما : أيوه أنا يعرف .. قلت : هل تحب الأغاني العربية ؟ قال : أيوه أنا يحب .. قلت : ما اسم هذا الذي يغني ؟ قال : هازا اسمو كلسوم ] …
لو سألت هؤلاء الذين كتبوا لصاحب قصة الفجلة : ما الذي أعجبك بالقصة لتكتب : رائع .. مبدع ؟ .. لقال لك : هازا اسمو كلسوم .
ثمة قول معروف على الساحة الفكرية : ( كل عمل فني لا يحقق المتعة فهو عمل خال من الإبداع .. سيان كان : شعرا ، قصة ، رواية ، نصا مسرحيا .. مسلسلا .. فيلما .. فنا تشكيليا ) .. وأنا لا أعرف لماذا يهرب البعض من فضاء السرد القصصي الممتع الشيق ، إلى عالم الابتسار والضيق والكلمات المتقاطعة .. وعندما ترتدي اللغة ثوب الحكاية ، فإنها تعمر وتعيش طويلا حاملة شذى عطرها المديد التضوع وربما تتناقله الأجيال .. لكن عندما تتحول المفردات إلى لغة انغماسية فإنها تحمل حزاما ناسفا حول الخصر ، وأول ما تقتل الفكرة التي تزنرت فيها ، فتتحول إلى جثة ، أو إلى رحم عاقر بأحسن حال . . مما يجعلك تعيش حالة في جو من الرصاص الطائش .
أخيرا أرى أن القصة القصيرة جدا ( ققج ) مازالت كحصان يعدو بدون قوائم بحيث لا نسمع وقع حوافره .. وعدو الحصان بدون حوافر ، يعني أنه يقوم في حالة مرمغة يتقلب فيها يمنة ويسرة ولا نرى من حالته إلا الغبار المتصاعد من ذات المكان.