بعض قال أن وجهه تجمد دون حركة، وبعض آخر رأى دمعة تذرف من عينيه.. قبل ذلك جلس يراقب عصافير الدوري وهي. تنتقل بخفة من غصن إلى آخر على شجرة التوت الكبيرة التي تظلل مدخل المنزل، قط الجيران يركض مسرعا تحت الشجرة باتجاه حشرة يلهي بها جوعه، ريثما ترمي له أم حميد بقايا الغداء.. تتبخر من رأس حميد الكثير من الأفكار القريبة، كدخان سيجارته التي لا تبرح فمه، كما يستمتع برمي كلماته العشوائية دون عناء، يلهو بہا كما كان يقول دوما، لحظتك حياتك، لا تبكي على جرو ينبح. لم يعرف أحد ماذا تعني كلماته بالضبط، كان يستمتع باعتبار نفسه ذكيا.. لذلك كان يبتسم باستهزاء عندما يسأله أحدهم ماذا تقصد؟.. فاللهو تسليته الكبرى، حين أمسك بالقط الرمادي الذي
يطارد قط جارهم النحيف الأليف، ربط إلى ذيله إصبع ديناميت بفتيل طويل، ثم أشعله وأطلق القط الذي ركض بعيدا كتسلية أولا ثم خوفا عندما. اسمع اشتعال الفتيل وراءه، قهقه حميد طويلا عندما انفجر الديناميت وتناثر القط أشلاء صبغت الأرض بلون قائم ، لامه الكثير من الناس وخاصة أصدقاؤه وأقرباؤه واتهمه البعض بالجنون، لم يأبه لهذه الاتهامات، فطقوسه التي ألفها وسيلته للمتعة، ولتحقيق تجاربه التي يفكر بها عميقا.. كما يعتقد بأنها تعطيه تميزا كبيرا على أقرانه المخبولين والقطيعيين حسب اعتقاده، ربما تساؤلاته الغريبة التي يجد فيها سببًا مقنعا لتصرفاته مثل (كيف يستطيع حمار أن يقضي على زرع حقل كبير)، وأسئلة تخص البشر مثل (كيف يستطيع صياد أن يقضي على سرب طيور وصل للتو متعبا من هجرة طويلة)، كذلك يحق له أن يفعل ما يشاء، خلال ذلك تخطر له أفكار خلاقة كثيرة كاختبارات مذهلة وممتعة لكنه يتروى في تنفيذها ليجد الوقت والبيئة المناسبة.. يمشي في الشارع متزنا، لا يظهر عليه الخوف أو الخجل بل يصر على أن يبدو عاقل وفهيم من خلال مظهره، يلبس الطقم الزاهي الألوان بربطة عنق خضراء ومرة بنفسجية، ويقول للآخرين بأنه خبير بالكثير من الأعمال مثل تقليم الأشجار، ورصف البلاط والرخام وحتى الديكورات المنزلية، حتى أنه يجيد كتابة الشعر والتحليل السياسي، كان يجلس أمام بيته تحت شجرة التوت في معظم الأحيان.. ذات مساء رطب تغمره فيه نسمات عليلة، جلس كعادته أمام المنزل يشرب المتة، تقدم منه كلب ضال، فرمى له العصفور الصغير الذي اصطاده البارحة لهذه الغاية، اقترب منه الكلب كثيرا، أمسك رقبته بلطف ثم وضع الرسن عليها وسكب عليه البنزين كما على الرسن من العلبة البلاستيكية المركونة جانب الجدار، أشعل قداحته وطرف الحبل وأطلق الكلب، تفاجأ الكلب بالنار التي وراءه، أراد الهرب دار في مكانه مراقبا ذيله الذي وصلت النار إليه، ذعر كثيرا، حاول الهرب بغير اتجاه، لم يجد سوى باب بيت حمید، اصطدم به قبل أن يدخل من النصف المفتوح.. ابتسم حميد في البداية لهذه اللعبة التي أراد الاستمتاع كعادته بها، فجأة تذكر أمه التي في الداخل، صرخ بشكل هستيري: أماه.. وركض باتجاه المنزل فزعا.. لكن النار كانت أسرع، بدأت ألسنة اللهب تخرج من النوافذ، اجتمع الجيران والناس محاولين سكب الماء بالطناجر وبكل الأدوات المتاحة التي توفرت لديهم دون جدوى، ثم يسمع صرخة عميقة لأمه.. خرجت من بين السنة اللهب التي راحت تلتهم المنزل كحقل ذرة يابس، لم يضحك أو يبتسم أو يبكي حميد هذه المرة، بل بقي دون ملامح كأنه تمثال قديم باهت، وصمت طويلا.. ثم راح يعدو مبتعدا باتجاه البرية، ومن يومها لم يره أحد.. ولم يعد سكان البلدة يروا كلابا ضالة، يقال بأنها كل يوم تجتمع ليلا قرب المقبرة، في الليالي اللا قمراء دون أن تنبح أبدا.. بينها تجمد وجه حميد الباكي إلى الأبد على قبر أمه….