يوم عاد الدكتاتور كانت صدمة ودهشة قوية لنا، فلم نكن نعي الحدث الجلل.
_ألم أقل لكم أنه لا يموت؟ ولكنكم لم تكونوا تصدقوني…
هذا ما قالته أمي لنا، بعد أن فرشت سجادتها وصارت تدعو له بطول البقاء وسلامة الصحة.
لم تنس أمي أنها كانت تدعو عليه كلما فرشت السجادة، ولم ينس أبي أنه كان يعارض وبشدة تعليق صورته في الصالون، ولكنه الآن اشترى أجمل صورة له وثبتها بقوة بمسمار خشن ثم قبّلها.
الأمور تغيرت كثيراً، فالأهازيج تملأ الشوارع والحارات، والأعلام والرايات ترفرف بعد عودة الدكتاتور.
_ألم أقل لكم أنه لا يموت؟ قالها مختار محلتنا أيضاً وهو فخور بمقولته.
الخونة هربوا إلى العربان بعدما توعدهم بالعذاب والعقاب في خطبته التاريخية، والوطنييون منهم وعدهم بالجوائز والوظائف والمِنَح.
في عدة ساعات رجعت المدينة كما كانت، فتمثاله الضخم ترمّمَ وازدهر ولكنه صار أطول، حتى أن رأسه كاد يعانق السماء.
موكبه بالسيارات البيضاء المكشوفة يسير، والكل يصفق ويهتف بحياته، وليس كسابق عهده بسياراته السوداء المغطاة المبهمة.
تسارعت دول الجوار بإرسال رسائل الحب والولاء والاعتراف والعهد على الوفاء، ولكنه ذلك الذكي رفض بعضها وأسّر السبب إلى حين.
مزقتُ كل أشعاري التي تسبّه وتلعنه، ورحت أكتب أجمل ما خطت يدي من شعر في حبه ودعائي له بالبقاء.
قدمتُ طلباً للشرطة بأن يسمحوا لي بتلاوة شعري على مسامعه، رحبوا بالفكرة وحددوا لي موعدا معه. لم تسعني الفرحة..صرت أنشد الشعر وألوح بيدي وهو يضحك ويضحك.. وأنا مسرورة أيما سرور.
أهداني قلادة، ربت على ظهري وقبّل رأسي، ثم أخذت معه صورةً كانت مفخرتي في الحي كله.
رجعتُ إلى البيت وأنا أصيح: هاهي القلادة والصورة، إنها وسام ومفخرة….
أمي.. أبي… صدقتم وصدق المختار فالدكتاتور لا يموت… لا يموت..
هتفت باسمه صراحة… لا يموت… ولن يموت… أنه حيّ لا يموت…
…….
فقتُ على أثر ضربات موجعة على خدي، وأمامي الطبيب منكسٌ رأسه، وشرطيان يبتسمان لي بخبث ويخاطبان الطبيب: يبدو أن جرعة المخدر كانت عالية جداً.

أضف تعليقاً