رجع الفأر الشاب إلى جحره، بعد يومين من العناء، قضاهما في مهمة سامية، كلفه بها أبوه الزعيم: استكشاف المنطقة المحيطة، والبحث عن مأوى جديد للعائلة البائسة المشردة.
كان موسم المطر قد اقترب، وبدأت السماء تتلبد بالغيوم الداكنة، والرياح الباردة تصفر من حين لآخر، وتثير أعاصير متفرقة من الغبار الدقيق، الذي ينذر بغلق حفر المأوى، ويملأ الأعين الحمراء الصغيرة بالقذى، فلا تكاد تتبين الطريق، أو ترى ما حولها.
انتابته الوساوس. أشفق أن يكون قد أصاب أهله في غيابه مكروه. انخلع قلبه هلعًا، وسقط في يده، حين وجد أباه وأمه العجوزين، يلهثان على باب الجحر، وقد بدا عليهما مزيج من الحزن والغضب والتعب الشديد.
لم يُطق صبرًا حتى سألهما مرتعبًا:
– ماذا جرى، هل الجميع بخير؟
قال ذلك وهو يرنو ببصره داخل الجحر ليطمئن على الصغار الذين كانوا قطعا صغيرة هاجعة، من اللحم الأحمر الناعم، تتشمم الهواء حولها، وتتحرك في دوائر صغيرة، تبحث عن ثدي أمها، وقد سبحت في ظلمات العمى.
في نفس متهدج، رد الفأر الكبير:
– لقد هاجمتنا القطط مُجددًا، لا أعلم من أين أتت، لطالما جارت علينا، وطاردتنا بلا هوادة، حتى كادت تبيدنا عن بكرة أبينا، وتستأصل شأفتنا، ثم كانت بيننا وبينها هدنة، حين تنعمت وترهلت وكفت عن صيدنا، وتزينت بالأطواق، واكتفت (بالدراي فوود)، ثم صارت لنا الدائرة عليها، فهاجمناها بضراوة، حتى باتت تهابنا، وتفسح لنا الطريق، ولقد ظلت تفزع من ظلنا ردحًا من الزمن، ثم إنها فجأة اختفت من حياتنا تمامًا، اختفاء مريبا، بلا سبب مفهوم، وظننا أننا ارتحنا منها للأبد.
سكت الفأر الأب قليلًا، ليسترد أنفاسه المتقطعة، فأكملت الفأرة الأم الحديث:
– لكن القطط عادت أشد ضراوة وغدرًا، لقد نجونا اليوم بأعجوبة من موت محقق، وفقدنا كل صلة بالآخرين. صرنا فرائس يا بني بعد أن كنا صيادين!
لم يتمالك الفأر الشاب نفسه، وصاح في عصبية:
– ألم أقل لكما؟ هذا ما كنت أخشى وقوعه، لم يعد لنا مقامٌ ها هنا. إننا ببساطة محصورون، بين مطرقة البشر في الأرض، وسندان الجوارح في السماء! سنُتخطف واحدًا واحدًا، بلا حول ولا قوة، ولا مخبأ لنا سوى الجحور المتهاوية، والحفر الكريهة!
قال الفأر الكبير بأسى، وقد تغاضى عن صوت ابنه المرتفع على غير العادة:
– لكنها أرض آبائي وأجدادي، عمرناها كابرًا عن كابر، ومهما أحدقت بنا المخاطر، وروعتنا الخطوب، فلن أبرحها، حتى أموت فيها. وهل نسيت أنك أيضًا وُلدت فيها، وترعرعت عليها؟
تبسم الشاب معتذرًا، وتلطف في الجواب، عسى أن تلين قناة أبيه العنيد، ويقبل بالرحيل قبل فوات الأوان:
– يا أبتِ.. لم تعد أرضًا مميزة، منذ هدموا المطعم الشهير، الذي كان في الجوار. لقد أصابنا الهزال، وعضنا الجوع بنابه الذي لا يرحم، وبتنا مكشوفين في العراء، نرتجف من البرد والخوف. لا مخبأ لنا من عيون أعدائنا، ولا سقف فوق رؤوسنا، ثم إن المطاعم غيره كثيرة. أرجوك، أنصت إليّ ولو مرة، لقد آن لنا أن نتحول عن هذه الخرابة الحقيرة، التي ستجلب -عما قريب- ثلة من الزواحف والهوام السامة. وكن مطمئنًّا فلن نسافر بعيدًا، لقد وجدتُ في جولتي القصيرة مخزن غلال قريب، يؤمن لنا -على الأقل- قوت سنة، وإن قرمنا إلى اللحم يومًا، فبيوت الأثرياء حولنا كثيرة، ولا أسهل من أن نُغير على بعضها من حين لآخر. وعلى كل حال يمكننا العودة إلى هنا، متى أعادوا افتتاح المبنى الجديد.
تأوّه العجوز متندمًا على الأيام الخوالي، التي أدبرت -فيما يبدو- إلى غير رجعة:
– واحسرتاه على الموائد العامرة، التي طالما أتخمتنا بأشهى اللحوم والأجبان! قد تكون البيوت أدفأ، لكنها لا تقارن أبدا بالمطاعم! إنّ المطعم لم يكن يوفر لنا المبيت والطعام فحسب!
سأل الصغير في حيرة:
– كيف؟
أجاب العجوز في حنكة، وهو يضغط على مخارج الحروف:
– الأمنُ يا بني! النعمة الكبرى بعد الشبع! لقد قال لي أبي يوما كلمات من ذهب، لا أنساها ما حييت: (اثنان لا ينامان ولا يذوقان غمضا: الجائع والخائف).
يا بني! منذ افتتاح المطعم حتى هدمه، هل رابك ظِلُّ قطة أو كلب؟!
- عودة القطط
- التعليقات