..جفلتُ.. استيقظ الشك في نفسي.! قلتُ، بعفوية:
– ما هذا..! ؟
– الآذان..!
رد رفيقي..
– حتى هنا…
قاطعني، منرفزا:
– نعم، حتى هنا الآذان.!
– في بلاد النصارى..!
– نعم، في بلاد النصارى مسلمون ومساجد.!
واضاف:
– المهم اننا قريبان من تجمع سكاني ما، وعلينا ان نفترقا،ويأخذ كل واحد منا طريقه الخاص، فطلائع الصباح بدأتْ تخترق خطوط الليل الامامية والسماء بدأت تسدل رموشها فوق عيون نجومها الغامزات. لم يبق إلا ان ترافقنا السلامة، حتى لانقعا في قبضتهم، ويعيدوننا من حيث اتينا كما يعيد الحارس الكرة.!
توادعنا، على امل ان نلتقي، وتفرق بنا الاتجاه.. وضعتُ حقيبتي على ظهري وسرتُ قرب سياج اشجار بدأتْ تبرز لونها الاخضر مع ذوبان طلاء الليل الاسود في قطرات الصباح الاولى. سرتُ اهدهد الشك المستيقظ في نفسي، حتى يغفو من جديد، ويترك يدي المرتجفة تحضن بيضة فرحة لم تكتمل بعد.! لقد قطعت نصف الطريق، وخلّفتُ بلدي ورائي، ولا اريد العودة اليه.. اريد ان ابدأ حياة جديدة لم يوفرها بلدي القديم. حياة جديدة لشخص نكرة افضل من حياة نكرة لشخص معلوم.! كنتُ كآدم وهو يرسم خطواته الاولى على ارض غريبة، بعد ان خلّف الجنة وراءه. لكنه كان على يقين قاطع انه خلّفها وراءه والى الابد، عكس الشك الذي نما في صدري وجعلني اتوجس من امكانية ان لا اكون قد غادرتُ جحيم بلدي بالمرة.! الشك الذي كان يرتفع في نفسي القلقة، مع ارتفاع صياح الديوك، في كل خطوة اخطوها على هدي خطوات الصباح الاولى.! وكان خاطر كهمس الشيطان يلح في ذهني:
– لم تغادر حدود بلدك، ياصغيري.. إسأل انفك عن هذا الهواء الثقيل المغبر، أليس هو نفسه الهواء الذي هربت َمنه، باحثا عن هواء خفيف منعش.! ؟
– لايمكن.. بعد هذه الرحلة الطويلة.!
– وما أدراك وانت كنت في اعماق الشاحنة الكبيرة، بين صناديق الخضر، صحبة رفيقك في الرحلة كالمخطوفين..!!
– غير ممكن، غير ممكن.. بعد ان بـعتُ نعجاتي وبقرة امي وجُعتُ كي اوفر الباقي، حتى اصل المبلغ المحدد لقاء الهجرة الى بلد كنتُ احسد العائدين منه صيفا على ما يتنعمون به، وبعد كل هذا التعب الذي لم يسترح منه جسدي بعد، جراء رحلة طويلة شاقة ومظلمة لم أدْرِ كم استغرقت، لاني كنتُ قابعا كصندوق بين الصناديق، بانتظار ان تجتاز الشاحنة نقطة الحدود، لتفرغ بضاعتها المزدوجة، وتعود ، بعد كل هذا اجد نفسي في البلد الذي هربت منه، والذي اقول عنه بلدي.!! غير معقول.!! لايمكن ان اعود الى امي دون ان احقق حلمي في شراء قطيع من الابقار يعوضها البقرة التي ضحتْ بها نزولا عند رغبتي.!!
– ممكن.. ممكن جدا..!
-ممكن ان يكون رفيقي في الرحلة ، الذي كان صلة الوصل بيني وصاحب الشاحنة وفي تحديد السعر والموعد، وقادني ليلا الى ضيعة كبيرة من حيث انطلقت الشاحنة، رفيقي الذي اعرفه، قد خدعني ونصب علي.! ؟
– ولِما لا..! ؟
– لايمكن.. لم يكن هناك مايوحي بالنصب. المبلغ لم ادفعه إلا بعد ان نزلتُ من الشاحنة…
– اخذه وانطلق بالشاحنة، وتركك انت ورفيقك المخدوع مثلك. ؟
– وما المانع ان لايكون رفيقي قد اخذ طريق العودة بدوره، ليأخذ نصيبه، بعد ان اوصل الفريسة السهلة الى مصيرها المحتوم.! ؟
– نعم، وما المانع في زمن حلٍ به قحطٌ من ضمير ولم يعد يًنبت شجرا من ثقة.! ؟
– لايمكن، لايمكن…
حينها كان نهيق حمار ينزل على اذني كاللطمة، ويعيدني ،بشماتة، الى الارض حولي. كنتُ انحدر بمحاذاة واد صغير على تخوم غابة تمتد باتجاه الافق. الشمس اوشكت ان تطل، وامامي كان يمتد سهل فسيح، تتناثر المنازل على امتداده، يعبره طريق سيار على احدى جنباته بناية كبيرة، تبينتُ علما يرفرف فوقها لما اقتربت اكثر.. كان احمر كلون علم البلد الذي هربتُ من ضيقه، ولكل بلد لون علمه الخاص كما قال لي رفيقي انا الذي لم تحظ مؤخرته بشرف مقاعد المدرسة.! تسارعت نبضات قلبي، تسارعت خطاي:
– لايمكن، لايمكن…
اقتربت اكثر.. كان حقا احمر، كان هو نفسه.. اخرج الشك لسانه شامتا، وهمس لي:
– لم اكن كاذبا..!
صِحْتُ، بغصة:
– لايمكن، لايمكن…
ووضعتُ يدي على عيني.!.

أضف تعليقاً