هِيّ ذِي عَرُوسُ الرِّيفِ.. تتوَسَدُ وَجَعَ أحْزَانِهَا.. !!

إنَّهَا امْرَأة نَحِيفَةٌ، طويلَةٌ القامَةِ، شَاحِبَةُ الوجْهِ، كئِيبَةُ المَظهَر، تقفُ أمَامَ بيْتهَا جَامِدَةً كتمْثالٍ نُحَاسِي صَدِئ، مُطأطئِة الرَّأْسِ، تَلفُّهُ بعُصَابَةٍ بَيْضَاءَ، خجُولَة كلِيلَةٌ الفُؤادِ، تحُسُّ بالضعْفِ والوَهَن، تحس بالمرَارَةِ والضِّيق، تُسْندُ صدْرَهَا إلَى عَصَا غَلِيظَةٍ تشْبهُ رَكيزَةَ الخيْمَة، تسْتنجدُ بهَا وتتوكأ، تضمُّها إليْها بعَطفٍ وحَنان، تَقبضُ عليْها بكلتا يديْهَا وقدْ التوَتْ أصابعُها التوَاء، تنْحنِي قلِيلا برَأسِهَا، تُمْعِنُ بعُيُونٍ ذَابلة، بِحَنينٍ وحُزْنٍ دَفين، مُتودّدَة مُتلطفة، تخْتلسُ اللحَظاتِ الصّامِتَة، تتوَسّدُ وًجعَ ابْنَائِهَا والكلمَاتُ الخَجْلَى أحْيَانًا تمُوتُ!.

هِيَّ امْرَأةٌ فَاضِلَةٌ، وَسَيّدَةٌ كَريمَةٌ، تَتَطلّعُ دَائمًا لفعْلِ الْخَيْر، ومُسَاعَدَةِ الْفُقرَاء، دَأبَت عَلى ذَلِكَ، تَناهَى إلَى سَمْعِهَا أنّ فِي رِيفِ الْمَدِينة فُقرَاءَ كثرٌ، واسَرٌ تعِيشُ الحِرْمَانَ وَالْعَوَزَ وَشظفُ الْعَيْشِ، ذَاتَ مُناسَبَةٍ رَاودَهَا شعُورٌ غَريبٌ، يُشبِهُ الكوَابِيسَ التِي تُهَاجمُ الْمَرْءَ فِي نوْمِهِ، فكّرَتْ أنْ تزُورَ هذِهِ الأحْيَاءَ، لتُصَافِحَ الوجُوهَ ألكادِحَةِ، ولتَلتقِي بِنسَاءِ الرِّيفِ الجَميلات، كانَت وُجْهتُهَا حَيَّ الاكوَاخ القصْدِيريّةِ، والمَرْءُ اذَا تخيّل شيْئًا أوْرَغِبَ فِيهِ بحَثَ عَنه، وفكّرَ فِي الوُصُول إليْهِ، إنّهَا لَمْ تَكُن تعْلَمُ أنّ الفَقرالمُدْقعَ يَنَامُ هُنَا فِي هذِ هِ الأمْكنَةِ النائيّةِ المعْزُولةِ، وأنّ الامْرَاضَ مُتفشيّةً فِيهَا بشَكْلٍ رَهِيبٍ، إنّهُ يجْثمُ عَلَى الاجْسَادِ الْبَشَريّةِ ليَقتاتَ عَلى بُؤسِهَا، كَانَ الصّمْتُ يُخيّمُ عَلى هَذِهِ الْديّار المهْجُورَةِ، كَمَا لوْكَانَ العَالَمُ فِيهَا قَدْ توَقفَ عَنْ الحَرَكةِ، مَا إنْ وَطِأتْ قدمَاهَا ارْض المَكانِ حَتى اشتدَّ بهَا الفزَعُ، وَهِيّ تقفُ أمَامَ مَشْهَدٍ حَزينٍ صَادِمٍ وَقْفَة ذُهُولٍ، تُدَاهمُهَا رَغْبَةٌ جَامِحَةٌ فِي البُكَاءِ، فترْمِي بِكل دُمُوعِهَا وَتحْتفِظ بالزّفرَاتِ، تُحدِّقُ فِي مَلامِحَ تِلْكَ السيِّدَة البَائسَة،{عَرُوسُ الرِيفِ} إنَّهَا امْرَأة نَحِيفَةٌ، طويلَةٌ القامَةِ، شَاحِبَةُ الوجْهِ، كئِيبَةُ المَظهَر، تقفُ أمَامَ بيْتهَا جَامِدَةً كتمْثالٍ نُحَاسِي صَدِئ، مُطأطئِة الرَّأْسِ، تَلفُّهُ بعُصَابَةٍ بَيْضَاءَ، خجُولَة كلِيلَةٌ الفُؤادِ، تحُسُّ بالضعْفِ والوَهَن، تحس بالمرَارَةِ والضِّيق، تُسْندُ صدْرَهَا إلَى عَصَا غَلِيظَةٍ تشْبهُ رَكيزَةَ الخيْمَة، تسْتنجدُ بهَا وتتوكأ، تضمُّها إليْها بعَطفٍ وحَنان، تَقبضُ عليْها بكلتا يديْهَا وقدْ التوَتْ أصابعُها التوَاء، تنْحنِي قلِيلا برَأسِهَا، تُمْعِنُ بعُيُونٍ ذَابلة، بِحَنينٍ وحُزْنٍ دَفين، مُتودّدَة مُتلطفة، تخْتلسُ اللحَظاتِ الصّامِتَة، تتوَسّدُ وًجعَ ابْنَائِهَا والكلمَاتُ الخَجْلَى أحْيَانًا تمُوتُ! صوْتُهَا ينْضَحُ بالألمِ والحُزْن، يسْكنُهَا غُبارٌ الموْتِ، الجَسدُ يرْتعِشُ، يَكتنزُ بدَاخِلهِ شُحْنَةً مِنَ الْقلقِ..كأنّ شيئا بين ضُلوعِهَا يرْتجِفُ، تُرْهِفُ السَّمْعَ وكَأنّ بهَا صَمَمٌ، شَفتَاهَا تنْفرِجَان عَنْ تَعْبِيرٍ غَامِضٍ، ترَى الكلمَات مَرْسُومَة فِي عَيْنَيْهَا، تفسِّرُ ذَاتَهَا بذَاتِهَا،تأخذ نفسا عميقا، توشك أن تبكي، إنّهَا مُتعَبة ً..مُتذمِّرَةً.. جَائعَةٌ، تنكفئُ عَلى نَفْسهَا كأنّها تَتلذّذُ بانْكسَارَاتْهَا وَبُؤْسَهَا.

ترْفُضُ أنْ تمدّ يَدَها للسُّؤَالِ..تخْجَلُ أنْ تسْتعْطِفَ ألمُحْسِنِين..”..تجُوعُ الحُرَّةُ ولا تَأكل بثديَيْهَا..” تلتِزمُ الصَّمْتَ..تَتنفسُ زَفيرَ حَسْرتَهَا..تَتألمُ، أنْفاسُهَا مُحْترَقةٌ، اللُعَابُ مَمْزوجًا بالأحْمَرِ القَانِي، يَتدَفقُ مِنْ بيْنِ شفتيْهَا خيْطًاً من الشّفَقِ، سُعَالٌ حَادٌ لايَتوقفُ، فمَاذَا يحْدُثُ..ربّاهُ..؟! إنّهَا مُصَابَةٌ بدَاءِ السُّل، ابْنَتُهَا وابْنهَا مَريضَان بفَقْر الدّم، الطِفْل الصّغيرمُرْمَى فِي صَحْن البَيْتِ، يُعَانِي مِن الكُسَاح، مِسْكِينٌ يَتأرْجَحُ فِي غُرفةٍ بدُون هًوَاءٍ مِثْل الغَريبِ، يَفتَرشُ الترَابَ بدُونِ غِطَاء، ، يُريدُ أنْ يَقِفَ عَلى قدَميْهِ، يُحَاوِلُ ويُحَاوِلُ وتبُوءُ مُحَاوَلاتُهُ بِالفَشَلِ..يَنْظرُ إلَى أمِّهِ يَترجَّاهَا مُسْتعْطفًا، يَحْتَسِي الدَّمْعَ والأنْفُ يَنْزِفُ مُخَاطاً، الزوْجُ يُمَارِسُ عَمَلاً مُضْنِيًّا بأجْرٍزَهِيدٍ لايَكفِي لِشِرَاءِ رَغِيفِ خُبْزٍ لأطْفَال بُؤسَاءَ مَرْضَى مُنْهَكِينَ..حُفَاةً عُرَاةً، يَتَحَرّكُونَ ببطْءٍ كالسّلاَحِفِ..يَتَضَوّرُونَ جُوعًا، هُم جَمِيعًا يقبَعُون دَاخِلَ ذَلِكَ البَيْتٍ الخاوي المُعَتّم المَوْبُوء، يَفْتَرِشُون جُلودَ الأغْنَام، عِيّالٌ مَنكوبٌ، يَتحرّكون كالأطيَافِ، بل هُمْ كالأشبَاحِ التِي لاترَاهَا إلاَّ فِي مَنَامَك، يُخيَّم عليْهِم الحُزْنُ العَمِيقُ، كأنّهُم فِي انْتِظَارِ الْمْوْت، تَتقَدّمُ السيِّدَة{رشيدة} نَحْوَ الْعِيّال فِي صَمْتٍ رَهِيبٍ، لِتَكشفَ الفاجِعَة فِي قلبِهَا، تُحَاوِلُ فِعْلَ شيْءٍ، ومَا عَسَاهَا تفْعَل وقدْ اوْجَعتْهَا الجِرَاحَاتُ ؟ تُسْدِلُ عَلى وجْهِهَا خِمَارًا لتسْتأنفَ البُكاءَ، تدْخُل في غيبُوبَة المَأسَاةِ لتذُوب في احْزانِ العيّال، دَنقت رَأسَهَا كأنّهَا تُفكّر، وفِيمَا تُفَكّرُ؟ الْمَشْهَدُ صَعْبٌ..وَصَعْبٌ لِلْغَايَةِ ومُحْزِنٌ، تسْأل نفْسَهَا بِمَرَارَة : هَل غَابَت إنْسَانيّةُ ألإنْسَانُ؟ هَل الانْسَانُ كائِنٌ مُتوَحِشٌ لايُبَالِي بأخِيهِ؟ أيْن قيّمُ التضامُن والترَاحُم؟ ماهيَّ اسْبَابُ جَفَاف الْقلُوب وَقَسْوَتَهَا؟ قدّمَتْ للعِيّال ماتيسّرمِن أطْعِمَة وأدْويّة وَبعْضَ الْمَلاَبِس، ورَحَلَتْ للتوِّ وَفي دَاخِلهَا مُشَاعِرَمُتناثرَةٍ، وكلمَاتٌ مُبعَثرَةٍ، تَشِي بالكَثِير مِن العَوَاصِفِ الْهَوْجَاء، تعُودُ الشّاعِرَةُ إلَى بَيْتها كئِيبَة مُثقلَةً بالهُمُومِ مُتأبطة وَجَعَ أحْزانَهَا، ودّعَت تِلك البَائِسَةِ {عَرُوس الرِّيف} وهيّ تحُسُّ بالمَرَارَةِ والضِّيق، وودّعت أطفَالا زُغْبُ الْحَوَاصِل بابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ وعُيُونٍ دَامِعَةٍ.

أضف تعليقاً