تبْتعدُ وتخَاطبهُ خِطابا يُشبهُ النِّدَاء ! تقول: أنَّها تريدُ أن تَعِيش حَيَاة سَعِيدَة بَعْدَ هَجْرٍ طَالَ، تريدُ أنْ تكونَ طفلة لا تَكْبرُ، تضْحكُ وتلعَبُ، تجْري وتبْحَثُ عن الوَرْدِ وأزهَار الأقحُوَّان والفَرَاشات، تُريدُ الحُريَّة..تَصْنَعُهَا لاَ تَطلبُهَا..كُلُّ هَذا..؟!
لاحَ بَريقُ غَيْمةِ الشَّوق بَيْنَ الْجُفون، وتَحْت الخِمَار أوْمَأتْ الأحْدَاقُ مُسْتَفْسِرَة، اسْتوَتِ الحُرُوفُ عَلَى المَحَاجِر كَالْهِِلاَل، بَريقُ عُيُونِهَا الزرْقاءَ أضَاء عَتمَة الرُّوح، الصُّبحُ قدْ تَنفسَ عَبقاً يتضَوَّعُ،، الْفضَاء يَتلفَّع خوَاء أكبرَ، تتطلعُ إلَى السَّاعَة المُثبَّتةِ على رَسْغِها، تُدَاعِبُ سَتائِرَ النَّافذة، تَنْتظِرُ مُرُورَهُ بلهْفةٍ، لكن لاَ غَيْمَة فِي الأفُقِ، ولا فرَاشاتٍ تحُومُ، تَسْال: كم السَّاعة الآن..يَا أنَا ؟ يَلتفِتُ نحْوَها مُتنَهِدًا.. لا أدْري يَا أنْتِ..؟ إلى أيْن؟ سَوفَ ارْحَل مَعَ الغُيوم إلى النَّبْع..! رُوَيْدك لا تُجَازِفي أنتِ هُنا مبسُوطة..كلنا نحْلمُ بالرَّحِيل؛ هُنالك الشوْق، وهُنا الهَواءُ مَسْموعًا، الوَرْدَة الحَمْرَاء تَنتفضُ، السَّعَادة تقفز من غَيْمةٍ إلى أخْرى، أنظر فِي فراغ الْمكان،أمْعِنُ النَّظر عَسَانِي أرَاهَا خَلفَ ذلك الْمَدَى البَعِيد تَتَطلَّعُ، تَخْتفِي، ثم تَظْهَرُ لتحْيَى في حَنينِ الشَّوْقِ…أطيافها ما تزال جاثِمةً..امتطي الوجَع واقتفي أثرها..مللت الانْتِظار والمُمَاطلةِ، مَازِلتُ أنتظرُ،أشكو مرَارة.. أسْطو على الانتظار بزَفراتٍ تلاحِقها زَفرات، الشجرات البَوَاسِق لا ترْحل..مهلا..هِيَّ ذِي ظِلالُ خَطوَاتِها، آثارُ قدَميْها محْفورَة في الرَّمل..بقايَا أشيَائِها.. اسْمعُ هسْهَسَات أنْفاسِها، لكن يبْدو أنَّهَا توَارَت..! هيَّ هُناكَ على بُعْد بِضْعَةِ اذرُعٍ، تقفُ عَلى تلة كَطائر بَهيَّ الطلعَةِ، تتوسَّدُ غُصنَ شجَرَة، لترَى وتُصْغِي لِمَا يَتلظَّى في الصدُور، لتسْتمِتعَ بجَمَال الطبِيعَة العَذرَاء، يَميل الزَّهر من حولها جَذلانا، تتهَجْهَجُ الأعْشَابُ خَمَائِلَ.. يَنْفضُ القلبُ يَديْه مُعَاتبًا ويَبْسُطهَا، يَتنهَدُ الصدْر زفرَة، يَتيهُ الفؤادُ مُسافرًا في عَينيْها السَّهْمَيتين الخَجُولتين بَرِيقُ أمَلٍ، حوْرَاء لم يَنمْ لهَا جَفنٌ.. يا إلهِي لمَاذا ذهَبت إلى هُناك..؟مَتى ذهبت ؟ وَكَيْفَ ؟ لماذا بقيَّ رَذاذُ عِطرها هُنا مُبعَثرًا يتضوَّع مِسْكا؟ لمَاذا تكثرُ من النظر فِي السَّماء؟ هل تفِي بوعْدٍ بَات يَرْقبُه..؟ هَاجِش غَامِضٌ يركبُهَا ولا تبُوحُ.! أجَل.. تقضِِمُ شَفتَهَا السُّفلى كأنَّهَا تُخفِي شَيْئا.
تبْتعدُ وتخَاطبهُ خِطابا يُشبهُ النِّدَاء ! تقول: أنَّها تريدُ أن تَعِيش حَيَاة سَعِيدَة بَعْدَ هَجْرٍ طَالَ، تريدُ أنْ تكونَ طفلة لا تَكْبرُ، تضْحكُ وتلعَبُ، تجْري وتبْحَثُ عن الوَرْدِ وأزهَار الأقحُوَّان والفَرَاشات، تُريدُ الحُريَّة..تَصْنَعُهَا لاَ تَطلبُهَا..كُلُّ هَذا..؟! أجَلْ..وأكثرُ من هَذَا، تريدُ أنْ تنسَي المَاضِي السيِّئ، تُشطبُه من حَيَاتهَِا، تكتفِي بالْحَاضِر والمُسْتقبل وبِجَمِيلِ الأيَّام، تُجْهِشُ بالبَكَاءِ ولاَ ادْرِي لمَاذَا هِي تبْكي كُلمَا ابْتسَمَتْ، وتبْتسِمُ كُلمَا بَكَت؟ الأمْرُ مُحَيِّرٌ.
2- يقتربُ من شَوَاطِئ مُقلتِهَا مُتلطِّفًا، يُحَاوِلُ الاسْتفسَار، آه..ما بَالها تَائِهَة في مَرَابِعَهَا، تُحَاوِل أن تتهرَّب ولا تُجِيب، ترْفعُ صوَتها بخَجل: تريدُ من الدُّمُوعِ أن تَغْسَل أحْزَانَهَا، وأنْ تعِيشَ كالآخَرِين، لكنها لم تجِدْ عِندَ الآخَرين الاسْتجَابَة، لم يَفهَمُوا مَطالِبَهَا، هُناك أسْرارٌ قُامتْ بِوَأدِها لِتَسْتريحَ، لا ترِيدُ الرُّجُوعَ إليْهَا، فما شَطبَتْهُ صار مَعدُومأ، تستأنفُ حَدِيثهَا وتقول: أنَّهَا فتحَت صَفحَة بيْضَاءَ وَنَوَافِذ كثِيرة، لِتََنأى بِنفسِها عن سَفَاسِف الأمُورِ، لتحْتفظ بِمَا يَضْمرهُ صدْرُها، ترَى بأنَّ الحُبَّ الصَّادِق وَفَاء يجْعلُ المَرْءَ عَفيفا، الحُبُّ عَاطفة إنسَانيَّة وَكِتابٌ مَفتُوحٌ، ليلى العَامِريَّة اكتوَت بنار الحُبِّ حَتَّى انصَدَعَ قلبُها، رابعة العدويَّة، شهِِيدَة الْعِشق الإلهي، عِبادَتها للحُب وغايتُها رضا المحْبوب، في عِشقها رسَالة إنسَانيَّة خَالِدَة، مِسْكِينة حَيْزيَّة ابْنة الصَّحْراء مَاتتْ في الفيَافي مَصْدُومَة، نسَاءٌ فُضْليَاتٌ صُدِمْن في ربِيع حَيَاتِهن..البعْضُ مِنهُن استعَدْن الحَيَاة وسَعِدْن، فلماذا نُعَاقب أنْفسنا ونجلدُ ذواتنا ونقسُو عَلى الآخر..؟ لماذا نهربُ من الوَاقِع ونقف كتمْثال مُجَرَّدِين من اللحْم والدم والمشَاعِر؟
3- فَجْأة تُزيحُ الخِمَار جَانبًا، وتُفرِجُ عن سَيْلٍ من الابْتسَامَاتِ الودِيعَة ترْتسِمُ كاللآلئ على مَراشِف ثغْرِهَا المُضِيء، يَتَغلغلُ حُبها في الفؤَاد، يَنبَهِِرُ بجَمَالها وَبَحَّة صَوْتِها، ومن قبلُ كان غَاطِسًا فِي حُبِها مُسْتَغْرقًا في الخَيَال، يُبحْلق فيهَا مُحدِّقا مَبهُوتا، يُمْعن النظر في قسَمَاتِ وَجْهِِهَا ويَتنهَّدُ: كان مَشغُولا بها وعَنهَا، لم يلتَفتُ لآيَات جَمَالِهَا الضَائِع، تقول: هيَّ الآن تتخلى عَنْ الرَّغبَة في الانْفرادِ حَتَّى وان رَكَبَتْ الشَّططَ، سَتحْكِي قِصَّتها، لَعَلَّ فِي البَوْح الَجَمِيل يَتكسَّر طوْق أسْجَانِها، أجَل.. في نبْض القلوبِ تذوبُ الآهَات، في بُؤْبُؤ العَيْن تنامُ الذِكريَات، هيَّ تحبُّ وحبُّها عَفيفٌ، تتعاطفُ مَعَ كُل الدَّمعَات المُضيئة والقلوب الجَريحَة، تواجِهُ المِحَنَ بقلبٍ خَاشِع، تترنَّمُ بِمَا تهْمِسُ به الشَّفتان، وما تيسَّر لها من دُمُوع وآهَاتٍ، يُجيبها مَعشوقها بلطفٍ وهو يَمْسَحُ عن حاجبِ الوَقتِ، يا هَذا اللغْز المتكلم والعَبقُ المَنسِيُّ، تحَدَّثي حَتَّى أرَاكِ، وَما هِيَّ إلا هنيْهَاتٍ عَابرَةٍ مِن الصَّمْتِ حَتىَّ أخَذت تحْتضِنُ عِشقها بسَيْل من الدُّمُُوع، تجْلِسُ على قَارِِعَة رُوحُ حَبِيبِهَا وقد مَلَّ اللهَاث خَلفهاَ وحَطّ الرِّحَال فِي مَنفَاه.
4- هَنِيئًا للأيَادِي المَبسُوطة، وهيَّ َتكتشفُ أخْطَاءَهَا وَتَعُودُ إلى رُشدِهَا بَعْد هَجْرٍ وتتقرَّبُ منه، وتتطلع على ما كانَ ضَائعًا مَسْكُوتا عَنهُ، إنها ولادَة جَدِيدَة كَضَحْكة الضَّوْء، في دَهشةِ الوَصْل اَهتزَّت مُقهقهة، وقد َعلتْ ابْتسَامَة ثغْرَِهَا واحْتفظتْ بأخرَى، الأعْناق تتمدَّدُ وتشِي بالانتِصَار، مَيسَاء نزَلتْ لتوِّها من بُرْج الخَيَال كالطيْفِ، تَتَدَثرُ بأشْلاءِ الفرْحَة، أستاذة تُعَانِقُ الوَجْد، هَيْفَاء تمْشِي الهُوَيْنى ضَاحِكَة الْعَينَيْن، فَضْفضَة اللبَاس، تقذِفُ بشَعْرهَا إلَى الْخَلف، تصْغي إلَى نبَراتِها الرَّاعفة، تسْتحْلبُ الدِّفْءَ في أحْضَان مَعشُوقها تُهَدهِدُه، ورَذاذُ ضَحَكاتِهَا عِطرٌ يتطايَرُ، يُصْغي إلى حِكايَاتِها الملطفة مُنْتشِيا، كلمَاتٌ تهُبُّ كالنسِيم العَليلِ عَلى قلبِه، يَترنَّح صوْتُهَا على ضِفاف النِّهَايَاتِ ويهْتزُّ كالْمَوْج.. رجُلٌ أحَبَّته وأحبَّها حَتىَّ جَفَّ النِّداءُ في الْحَنَاجِر وتَكفَّنتْ الألْسُن، وانبَعَثت صَرخَاتُ بَوْحٍ بِعُمْقِ الْوَجْدِ، ترسل القبُلاَت على اسْتِحْيَاءٍ وَمَا أوجَعَه من أنِينٍ، يَوْمِيَّاتٌ رَسَمَتْهَا مِن النُّور المُسَيَّجِ بالعِِفَّة وَثمْرَةُ الْحُبِ الزَّوَاج، هِيَّ رِحْلَة من عِطر السِّنين إلَى مَرَابِعَ عَرْشِهَا والمَسَافَات الَّتِي طَوتْهَا، أيَّامٌ قدَّتْ مِنْ أوْرَاقٍ الْعُمْرِ.
- عَلَى شَوَاطِئِ مُقلتِهَا
- التعليقات