مدينة الفرح تحتضر تحت سيل قذائفهم، إنهم لا يتوقفون أبدا، دأبوا على اغتياله؛ فكانوا يمعنون في ذبحه على عتباتها. أبو سامي العجوز المتصابي لم يكن يعنيه الأمر فهو في عالم آخر تماما، همه الوحيد هندامه وشعره المطلي بالزيوت يقتنص الفرصة لمغازلة فتيات المدرسة اللاتي كن يركضن بشكل ملتو وذلك لسببين، أولهما اتقاء لرصاصة طائشة وثانيهما سماجة أبو سامي وظله الثقيل. لم يتعظ من كل ما يحدث حوله من دمار وقتل وخراب؛ فهو لا يرى إلا نفسه وشذوذه.”أم سامي” كانت كجهاز الاستخبارات تماما؛ فهي وحدها تستطيع لجم تحرشاته بنظرة صارمة وربما بأكثر من ذلك في المنزل “بساط الريح، الفلقة” أو ما شابههما؛ فيعترف بعدها بما ارتكبه وبما لم يرتكبه. لقد تفوقت “أم سامي” على “ك. ج.ب.” وأثبتت جدارتها التي استحقت عليها خضوعا وسجودا من زوج ضعيف وهش بسبب غرقه في الخطأ. في خضم الموت اليومي الذي تشهده المدينة كان لا بد لحدث مميز أن يغير مجرى الأمور؛ فالجميع يفتقرون إلى لحظات فرح غابت عنهم. لقد رفع الحصار عن المدينة بعد معاناة أهلكت السكان، تدفقت الإعانات والطواقم الطبية وانتعش البعض على حساب الآخرين. كثرت غزوات” أبو سامي” إلى الأحياء الأخرى، وكان يعود كل مساء مهشما إثر عراك مع أحدهم بسبب تهوره. “أم سامي” انشغلت عنه بالوقوف في الطوابير لاستلام السلل الغذائية لها ولجاراتها وافتتحت “سوبر ماركت” جوال؛ فكانت تصل البيت خالية الوفاض لتجد زوجها في حالة مزرية، لم تكن تعيره التفاتا؛ فجيوبها العامرة جعلتها تغفل وتسهو عنه بعض الشيء. سامي الهارب من الخدمة الإلزامية لم يستطع العودة إلى منزل والديه؛ فقرر المغامرة بحياته في “بلم” نقله خارج البلاد متخطيا كل المخاطر، ولكنه لم يصل، ابتلعه الأزرق هو ومن كان معه أزرق السماء وأزرق البحر، كلاهما قاتلان؛ لذلك بت أكره هذا اللون وكل تدرجاته. هدأت الأطراف وتوقفت الحرب، ولكن توقف معها دفق الحب في عروق الناس وشرايينها؛ فهم أطياف لأناس كنت أعرفهم فيما مضى واليوم هم غرباء عني وعن أنفسهم، يعيشون فوق كومة دمار خلفتها الحرب ويحملون في أضلعهم قلوبا مريضة لا ترى ثقوبها بالعين المجردة.

أضف تعليقاً