أمامي غربة وخلفي غربة ؛عن يميني غربة وعن شمالي غربة ؛من فوقي غربة ومن تحتي غربة ؛ وأنا غربة كلي غربة والناس في ازدحام يتهافتون على حياة كلها غربة ؛ ولافتة عريضة براقة في شارع مكتظ تسرق مني عيوني : *مقهى الوطن * انجذبت نحوها كأنما المغنطيس يشدني إليها بقوة ؛ تأكدت من صحة العبارة : *مقهى الوطن* شيء ما يشبه النبض تحرك بين الضلوع – منذ زمن بعيد نسيت أني أمتلك قلبا ينبض- ودون تحكم في خطواتي ولجت المقهى،كل الوجوه المرصوصة هاهنا أعرفها أو تعرفني أو رأيتها من قبل ورائحة القهوة تعرفني وتعرف الكثير عن أرقي وعن ليالي الحالكة الغربة….وتلفزيون قديم في الركن يزكي لغة الرصاص في وطني في يومي كما في ليلي ولعنة الأجداد الصالحين تلاحق رؤانا في كل الزوايا ،انتبه البعض لدخولي وذهولي بينما أكد لي البعض الآخرألا فرق بينهم وبين الموتى في قبورهم سوى وجوههم المخضبة بملل سكن منهم العروق ورائحة السجائر وحدها الفاعلة في سماء المقهى ودخانها يرسم ألف علامة استفهام عني ..عن غربتي..عن حيرتي وعن وجودي وسط مقهى وعن غربة هؤلاء المرمية أجسادهم ها هنا دون قلوب ،
سألت النادل بصوت متقطع مبحوح : أين صاحب المقهى ؟
نظرني بامتعاض من رأسي حتى قدمي قائلا : وما شأنك انت بصاحب المقهى ؟
فأجبته والغضب يأكل ما تبقى في من أعصاب: وما شأنك أنت بشأني وصاحب المقهى ؟تذمري من كل الأشياء كان باديا على ملامحي للجميع ونباح غربتي كان يملأ ما تبقى من فراغات في هذاالمقهى ويقفز على طاولاتها في مجون وسؤالي مازال على حدود شفتي انتصب أمامي شيخ وقور أنبأتني لحيته البيضاء أنه تجاوز الثمانين ، غير أن نظرته الثاقبة وبنيته القوية أثارت شكوكي في تقديري …..وأنا في خضم حيرتي انتشلني بسؤاله عن حاجتي …
قلت مرتبكة : صاحب المقهى من فضلك .
فابتسم في وجهي – لأول مرة منذ عمر يبتسم شخص في وجهي – ابتسامته كادت تخنق غربتي لكنه بادرني بقوله : أنا صاحب المقهى ..نعم هكذا قال ….تجرأ – في وقت امتهنت الجرأة فيه خيانة الجميع – وقالها : أنا صاحب المقهى …!
إذا :هو …ا….ل…و….ط…….ن..! كدت أختنق …دهشتي تشل لساني……غربتي تقتحم الهواء الذي أتنفسه وتفقدني الثقة بسمعي وبعيوني وبكل الحروف والكلمات التي عرفتها وبكل الأدعية التي حفظتها وبصعوبة بالغة جمعت آخر ماتبقى لدي من حروف وسألته : أأنت الوطن ؟
ابتسم ثانية – من أين له بهاذي الإبتسامات في زمن عابس كهذا ؟ – قائلا :آه بنيتي أين أنا من الوطن ؟ وأكمل متنهدا في حسرة ما أنا إلا ذرة مشردة تذروها رياح الأيام في سماء ذي الدنيا الفانية ….
فقلت وأقدامي تكاد تتبرأ من ومن ثقلي : المقهى لك وهو مقهى الوطن ….فأنت الوطن
حرك رأسه معترفا كمن أتى جرما لا يغتفر : إن هي إلا أسماء سميناها وأطلقناها على أشيائنا علها تغير ملامح خيباتنا وتغرينا باكمال فصول المهزلة في هذة الحياة العصيبة
قلت وقدخانتني قدرتي على الوقوف فتكرم علي أحدهم بكرسي غير جدير بالثقة: وما جدوى أن نخدع أنفسنا بأسماء تزيف حقائق أشيائنا وتزيد نزيف جراحنا وتزكي غربتنا الموغلة في ذواتنا الحيرى ؟
فأجابني: وهو يدير حبات سبحته في مهارة كبيرة ووقار أكبر :حتى نعطي أنفسنا فرصة لأخذ النفس لأن هموم الدنيا التهمت أمانينا وضيعت ملامحنا في زوايا فصول متشابكة العواصف والندى وأقرت أن العمر مهزلة كبرى نشهدها على مسارح أيامنا في رتابة مذهلة مثيرة للتقزز….يا بنيتي لا خيار بأيدينا قدرنا حياة بائسة لا وطن فيها تتوسده أمانينا ….موجعة هي حيرتي الآن أكثر من أي وقت مضى …رهيبة هي دهشتي ..متوحشة هي غربتي اقتحمتني مفترسة خلاياي وآخرالأمنيات ….
وفي لحظة مرأمامي شريط ذكرياتي الأليمة ورحلاتي الموجعة في البحث عن الوطن …فتشت عنه في جميع الزوايا ….وفي كل الدروب ….في الأزقة الضيقة …في الساحات العريضة ………وفي الأسواق المكتظة …في أكواخ الفقراء …في جيوب الأغنياء …في عيون الأطفال ..في دموع اليتامئ….. وفي بكاءات الأرامل والأمهات الثكالى ..في أكفان شباب في عمر الزهور …في دماء لطخت الأرصفة….في أحلام العذارى…في وعود الساسة وفي دعوات العجائز…في كل المطارات وفي كل المرافئ…..في التوابيت العائدة من وراء البحر… ولا وطن وجدت… وحدها الرصاصات الشقية سيدة كل المواقف ووحدها القرارت الغبية تغتال كل الأماني..تصادر الدفء والأمان وتزكي كل المخاوف… لا وطن هناك…..لا وطن هنا ………..
ومئات العيون تنظرني بشماتة وعيون العيون تسلخ من عني جلدي ….والشيخ الوطن استحال علامة استفهام كبرى….وجهي يهرب مني ….ملامحي تسقط تحت نعلي …جدائلي تصادر بوحشية…لساني يقبر في فمي…. وعيوني تخونني ……تنظرني في حقد وكراهية …ولا وطن هنا ….ولا وطن هناك ….ولا شيء هنا سوى أسئلة خبيثة تتراقص فوق السجائر نشوى …تبصق سمها في فناجين قهوة هؤلاء الحيارى مخدرة عقولهم كي لاتباغتها أية صحوة …ولا وطن هنا…..ولا وطن هناك…..ولا وطن حتى في مقهى الوطن ! ولا روح في بدني ..الغربة تحاصرني وعيوني تجرني إلى الشارع المزدحم من جديد ما أفضع غربتي في هذا الزحام والأقدام تدوسني في تهافت على حياة تافهة كلها غربة وأنا غربة….أمامي غربة وخلفي غربة …عن يميني غربة و عن شمالي غربة ..من فوقي غربة ومن تحتي غربة ..وأنا غربة …كلي غربة.
- غربة
- التعليقات

