في دولة أجنبية، و في غرفة كالسجن، تحيط به ، بجدرانها المطلية باللون الأسود، منقوشة برسومات لا يعرف لها معنى أو شكلاً! لم تعد تغريه، شوارعها النظيفة، ولا معالمها التاريخية، ولا حتى فتياتها الجميلات، لم يعد ذلك الشغوف المنبهر، مل من كل هذا…
يلتجئ الى لغته العربية -في وقت فراغه- ليؤنس وحدته! و بحروفها المتحركة، يضمُ بها معاناة غربته الطويلة… منها يكسرُ وحشته المظلمة، و يفتح بها باب شوق طال انتظاره .. يتوه في رياحين أبجديتها الرنانة… يسجدُ سجدة شكراً، على تراب وطنه، يشبع نفسه بنسيم هواء حرم منه لأعوام طوال…
يقطفُ زهرة الياسمين، و يهرول بها إلى أمه، حبه الأبدي، يعانقها، يقبلُ يديها… تضمه إليه، و تفضفضُ له، بقلب ملؤه الشوق و الحنين…
يدخلُ على والده بدرجاتً علمية متفوقة، يعانقه -هو الأخر- بشدة و يهمس له: – إنني فخور بك!
يتجول في بستان الأصدقاء، يلتقي بهم، يلهو معهم في الحدائق و المنتزهات، يضحكون، يمزحون، يمرحون، يحدثهم عن غربته العتية، و تجربتها الفضفاضة، و كيف أنه أستطاع أن يرسم في مستنقع وحشتها، صورة ناجحة عنه و عن وطنه! حدثهم أيضاً عن حروفه المتحركة…
يزفُ بعد ذلك، إلى فتاة أحلامه، و بنت عمه الجميلة، و في قفصهما الذهبي، يرويان لبعضهما، قصة حبهما، و يخططان معاً لحياتهما المستقبلية…
فجأة، صوت ضجيج يفقدُ (سعيد) تركيزه، تتوقف حروفه عن الحركة، ليصحو من عالم أحلامه المستقبلية، على صوت زميله العربي، ينبههُ بأن المحاضرة ستبدأ بعد نصف ساعة.
- غربة
- التعليقات