اجتمعت في ليلة شتوية عاصفة في بيت متواضع، يوحي لك من بعيد كأنه أطلال كوخ من زمن عابر في صفح جبل مرت عليه سنوات طوال وأثارها بادية على ما تبقى من الجدران، فهي فعلت فيه ما يتركه واد جارف حيث يعم الخراب ويجرف معه كل ما يصادفه في طريقه، كل هذا وهي تتسامر وتتجاذب أطراف الحديث مع ضحكات بريئة وأخرى كئيبة، فالكل يعبر على ما يعانيه متناسبا حسب معرفته ومداركه وعقله وتفكيره، فاشتدت العاصفة حتى تكاد تزعزع أركان البيت المتهالك أصلا.
أرخى الليل سدوله وعمت ظلمة قاتمة الأمن السراج الخافت الذي لا يكاد يضيء ما حولة فيُرى من حين لأخر حركات بسيطة إنها رحلة إلى النوم فيأخذ كل ما قدر له، يسرد أحلامه و الدموع ولا صوت معها وهو على هذه الحال إلى أن أخذت سنة من النوم فتحرك بجانبه برداء قد لا يقيه بردا فأخذت معه أحلامه إلى سباته فأكثر بالزفرات والهمسات غير المفهومة وبعض الكلام مثل الغد، المدرسة، الكتاب، القلم….. وبعد لحظات أخذ الشيء المتحرك نفسا عميقا ونام على حزن وألم يعانقان هذا الجسد المكسور المشتت، لا يدري عما يفعل في خضم هذه الألم والمآسي التي تحيط به من كل جانب فأستسلم إلى حيث عالم الأحلام والخيال، فانطفأ السراج وسكن كل شيء ما عدا صوت البوم الذي يقف على الأطلال والخراب ويبعث بصوته المزعج إلى أن تواري.
وفي زاوية أخرى من الغرفة هناك متحسر دموعه تناثرت على وجهه وسقط بعضها على الأرض ،لقد أعياه التفكير والمصاب الجلل الذي يكابده، لقد بترت ساقه نتيجة لشظية ضربته عندما كان عائدا إلى بيته وحاملا معه بعض حاجاته… فهو دائم التحسر على ما آلت إليه وضعيته الاقتصادية والاجتماعية فرجله المساعدة هي عصاه، التي يتنقل بها بصعوبة بالغة، فإذا لامحته من بعيد يخال لك انه متوقف لا حراك او تنقل له، فحتى السلحفاة قد تسبقه فمسح دموعه ووضع رأسه على قطعة قماش وتغطى بقطعة أخرى عبارة على خرقة بالية ،والليل بدأ في ساعاته الأخيرة حين أغمض عينه وتنام أحواله من الشعور لتذهب إلى اللاشعور،
ولضيق الغرفة انتقل احدهم إلى غرفة أخرى شبه متهالكة إنه الابن الأكبر لؤي الذي تجاوز سنه الثلاثين فكل أحلامه أحكم عليها بالإعدام لما يرى وما يعايشه، لقد فقد ذراعه عندما أصيب والده حيث عظمت الفاجعة ببتر ساق الأب وذراع الابنـ الذي هو في الأصل خريج جامعة شهادة مكانيك للشاحنات منذ حوالي أربع سنوات خلت، فشاهدته يراها كأنها ورقة يحرقها وينسى أمرها، لقد دب اليأس في ذهنه ولا أمل في الحياة بعد اليوم فتتعمق الأحزان، فيأخذ مكانه ليستسلم إلى حيث العالم الآخر والظلمة حالكة فوضع ما تيسر من أخشاب وألواح على الباب والنافذة لستائر لها لعدم وجودهما لعلها تقيه مما يعانيه من البرد، اقترب من إحدى الزوايا ففراشه قطعة حصير مهترئة وغطائه ما تيسر من لوازم البيت بعد أن أصابه حريق فما سلم منه إلا القليل والنادر.
إنه استسلم كذلك ولم ينجوا من دموع منهمرة غزيرة حتى بللت خديه مع الأنين والتألم ليس على نفسه وقدره بل على حال أسرته وأحزانها، وما هي إلا لحظات حتى انتقل إلى عالمه الوردي وخياله المبدع والانطلاق لعنان أفكاره.
دخل إلى ورشته والعمال ينتقلون من جهة إلى أخرى، والأصوات متبادلة والمحركات تبعث بموسيقاها ورائحة البنزين والزيوت تزيد من الجو تلوثا وهو بين رجاله مازحا وشاكرا وناصحا ومعاقبا، ويتجه إلى بوابة الورشة لتسجيل زبائنه وتحديد المواعيد.
لقد لمح من بعيد شبح كأنه سلحفاة فركز المنظر فأدركه بأنه والده فذهب إليه مسرعا وهو يتقدم نحوه حتى أفاق فأخذ نفسا عميقا ثم عاد إلى نومه.
لقد بدا بزوغ الفجر ينجلي حين تحركت أم لؤي لتراقب ممتلكاتها فهي على عادتها تستيقظ مبكرا. هذا ما ألفته منذ نعومة أظفارها، فهي المرأة الصابرة والشجاعة والحكيمة ففي هذه الظروف الحالكة لقعود المعيل وإصابته وكذا الرجل الثاني لؤي و ذراعه المبتورة، أنغصت عليه الحياة بعض الشيء ولكنه التحدي الذي يراودها، بعث في أم لؤي العزيمة والإسرار، لاحظت شبحا صغيرا يجاريها إنها طفلتها ـ التي لم تتجاوز ربيعها الثاني بعدـ تريد الاستيقاظ معها، فرتبت على كتفها الطري لتعديها إلى نومها وأحلامها هي ودميتها البسيطة الموضوعة بجانبها وهي عبارة عن رأس وجسد بدون إطراف تلاعبها وتمنيها بحياة جميلة، وهي لا تدري شيء على مأساة حياتها لروح البراءة التي تعيشها.
صاح ديك بعد لحظات منذر بطلوع فجر جديد ومعه التعاسة والأحزان تكبران ،نادت أم لؤي يا أبو لؤي وإذا به قد أفاق منذ زمن غير بعيد وهو يراقب المشهد، وازدادت معه المآسي والأنين فيرد عليها بالإيجاب، فتتفقد طفلها غسان عله يحتاج أن تربت على كتفيه ليكمل بقية نعاسه فأبى ذلك لأنه كبير بأحلامه وأهدافه وآماله المشروعة فهو حلم البراءة بل بقي في مكانه بتململ ينتظر الصباح ليحقق حلمه الأول الذهاب إلى …….. تقدم غسان إلى أمه ليأخذ منها قبلة الصباح فأحست بحرارة تتدفق في وجدانها وفي هنيهه تذكرت حالها وهي تعد فطور الصباح على بساطته وتواضعه فتجمعوا حوله والعيون وحدها تحكي المأساة، أما الشيخ الصغير فمازال يعيش في نظره وخياله الطفولي….
بادر لؤي والديه بالسلام ليذهب إلى حيث الأمل والعودة بما يسيرهما أما أبو لؤي فهو شبه بمقعد لقد جلس على قطع خشبية رتبها لؤي منذ زمن تُجاري كرسي وقد تفنن فيه عله يخفف عن والده في جلوسه، أما غسان فتأهب ليحمل بعض أغراضه وهو يمن النفس بمستقبل زاهر وحياة راقية وعيشة كريمة هذا هو تفكيره رغم صغر سنه فحي والديه بابتسامة عريضة وسلام شجئ ولا يدري ما هو القدر الذي ينتظره بعد لحظات.
استرجع الوالدين بعض الذكريات الحالمة البعيدة فتدخلت مأساتهما دون إذن في تلك الحال فلم يستطيعا أن يفارقا محنتهما وما يعانيانه وهم على هذه الحال من البؤس والآسي ويتناولان فطور الصباح في مملكة المآسي والأحزان ، بعد مغادرة غسان البيت سمعا صوت هادر لم يتمكنوا في الوهلة الأولى من معرفته وفي برهة من الزمن تبين بأنه أزير طائرة بدأ يقترب شيئا فشيئا لأنها على ارتفاع منخفض، لقد صبت أكوام كبيرة فاتجهت الأم إلى حيث الصوت، وأبو لؤي يطالبها بالرجوع وهي خائفة على فلذة كبدها غسان الذي خرج لتوه من البيت. حتى سُمع صدى صوت عال أعقبه انفجار عنيف خلف وراءه دمار هائل على البنايات المجاورة فتهدمت وسويت بالأرض، وبعدها بلحظات غاب أزيز الطائرة وظهرت أصوات أخرى متداخلة بين صراخ وعويل وبكاء ونحيب، لقد وقع انفجار هز المنطقة القريبة منهم، فهرعت أم لؤي تبحث عن غسان بين الحطام والركام لقد تاهت لكثرة الردوم والحفر وتغيرت ملامح المكان فهي أرادت أن تتجه صوب مدرسة غسان لعلها تجده جثة هامدة لتستريح وتبكي حظها لهول الانفجار، التفتت يمينا ويسارا والناس بين غاد ورائج والدموع لا تفارقها بعد عناء ومشقة أدرت ناحية المدرسة فذهبت إليها مسرعة وهي لا تدري ما ستقوم به?!….
أما غسان لقد وقف على أطلال مدرسته والغبار ما زال يملأ المكان والدخان يتصاعد إلى عنان السماء وعيناه تملؤهما دموع وأثار الغبار بادية على وجهه وبعض الأجزاء من ملابسه وما يحمل من أدوات تمتم بكلام غريب… ثم حدث نفسه بصوت مسموع راحت عليك المدرسة يا غسان! والأم تائهة في المكان تبحث عن فلذة كبدها!
- غسان
- التعليقات