حمل محمود ما تيسر من الطعام وقصد المسجد ليُطعم الفقيه، سيرا على عادة أهل البلدة…
بالمسجد الفسيح الذي يعتلي تلة متوسطة الإرتفاع، جلس الثنائي يناقش أمور القرية وما لحق الطرق التي تربطها بالمركز من دمار وخراب بعد الأمطار الأخيرة…وكذا صحوة بعض الوجوه الإنتخابية بعد سبات عميق…
اغتنم محمود فرصة طلاقة لسان الفقيه، فطلب رأيه بخصوص تفسير حلم أزعجه ليلة أمس…وطبعا لم يمانع الفقيه الذي فتت الدجاجة المحمرة لتصبح على شكل هيكل عظمي…
– لقد رأيت في منامي يا سيدي رجلا ذا هيبة وشهامة…قال أنه صلاح الدين الأيوبي!
لست أدري ما الذي جعل صلاح الدين يخرج من قبره…أو هكذا خيل إلي…كان يمسك بسيف حاد ويركب خيلا أصيلا…لباسه أحالني على لباس أبطال المسلسلات التاريخية…وقد كان شديد الغضب وهو يتساءل:
– كيف خانوا العهد وطبعوا مع إسرائيل بعدي؟ ماذا سيقول التاريخ عنهم؟
حاولت أن أوقفه وأشرح له أن القضية فيها مصالح متبادلة ومقايضة مفضوحة، هي أقرب للمقايضة التي كانت تتم في عهد الفينيقيين، لما كانت النقود منعدمة…بل وكنت أود إخباره أن كل شيئ يتم تحت جناحي النسر الأمريكي…
وفعلا توقف صلاح الدين بعدما استدار بفرسه الذي وقف على رجلاه الخلفيتان ورفع الأماميتان إلى أعلى وصهل بشدة…نعم توقف القائد صلاح …لا لشيء …بل فقط ليسألني عن موقف أحزابنا من هذا التطبيع…فأجبته بحزن :
– لقد ابتلع الجميع لسانه يا سيدي…
فقاطعني:
– وماذا عن أصحاب القنديل ؟
فقهقهت حتى جفل فرسه وأنا أرد:
– انطفأ القنديل يا سيدي صلاح… بل حتى المولدات الكهربائية تجمدت…فلم يعد هناك سوى ” شالوم …شالوم “…
هنا بصق صلاح الدين بصقة أيقضتني من النوم، لأكتشف أنني عشت كابوسا مرعبا ليلة أمس …فهل أجد عندكم يا شيخنا تفسيرا لهذا الحلم…
استوى الفقيه بمجلسه…ثم تناول قطعة خبز وشرع في تناول ما تبقى من مرق بالصحن…ولم يعلق أو يرد…
انتظر العم محمود طويلا فاستدرك:
– لم ترد علي يا شيخ؟
مسح الفقيه على لحيته البيضاء، ثم قال:
– اسمع يا محمود…نحن موظفون لدى وزارة الأوقاف، لذا يمنع علينا الحديث في السياسة…إن سألتني عن مبطلات الوضوء، أجبتك…كما أني أفقه في الإرث، وأغسل الموتى…بل دعني أسألك سؤالا واحدا فقط يا رجل: ألا ترى كيف ابتعد الناس عن بعضهم البعض…فما عاد الأخ يسأل عن أخاه…ولا إبن البلد عن بلدته…فكيف نلومهم على التخلي عن فلسطين والقدس وهم لا يهتمون حتى بأحوال بيوتهم؟
أحس محمود بإحباط كبير فعلق وهو يودع الفقيه:
– شيء ما تغير يا شيخنا…فإما أننا أصبحنا ضعفاء…أو أنهم يلعبون على نقط ضعفنا…
- غضبة صلاح الدين
- التعليقات