في أرخص درجات دار السينما الوحيدة بمدينته .يدخل – مقتحما الظلمة – ويجلس في ذات الجهة وذات المكان الذي يكاد يكون مكتوبا باسمه قريبا من باب الخروج .منتــــزعًا وقتا للراحة والمتعة بعد موت أمه، وبعيدا عن أبيه وزوجته . وفي كل مرةيواصل مشاهدة ثلاثة الأفلام على حساب يوم يغيبه عن الدراسة باتفاق مع ملاحظ الغياب الطلابي ..
لا يعجز أبدا عن توفير ثمن تذكرة (الترسو) حتى لو مد يده على حصـالة أخته ويقتنص منها عنوة مايريد .” لم يفكر كيف سيكون شكله عندما يكشف أمره؟ و لا في ماذا سيفعل ؟
يُدهش من حوله في تمثيل دور الدرويش الملبوس مع إيحاء بالتعب،والتسليم بمرضه،
يتوتر..يرتجف من واقع خشن يعيشه، و لا يملك نزع أشواكه إلا بالهرب في ظلام دار العرض الرخيصـة، وقدأثرت على تفكيره، وخياله كثرة الأفلام ونوعيتها ؛
إذ بدأ يفكر في أن يصنع هو بنفسه ولنفسه أفلاما وفق خياله ،ومتطلبات حاجاته النفسية والجسدية، قبيل النوم ، أوعند سيره بين المروج الخضراء..وأحيانا في الحمام
سيطرت عليه حالة التقمص، والتقلـيد؛فالبطل هنا هكذا يلبس؛ ويجتهد في أن يجعل من ملابسه الرخيصة والقديمة شيئا يشبه ما يلبس بطله،وهوهكذا يمشي، و هكذا يتكلم .. هكذا يضرب،وهكذا يُقَبِّل النساء ..
لم ينس رقية المرحومةأمه لتخليصه من سحر الطاقة الزائد ة ، وما يتلبسه من رغبة في الاغتراب عن معايشة الواقع .يملك طاقات وملكات هائلة يهدرها في غير وعي بها ،ولا أحد ممن حوله يفكر في احتوائه،أو مساعدته…
ضمته العمة ثم الجدة الحنون التي ربتت عليه حين غضب من أبيه عندها، وأجلسته يأكل مع ابنتي عمته الجميلتين.تأمل وجه / مروة عن يمينه. زم مابين حاجبيه وقال في نفسه تشبه ميرفت أمين .
ثم أدار وجهه إلى الناحية الأخرى ودقق في وجه وسيلة . هز رأسه وقال :فاتن حمــامة .
سمعته الأخيرة فضحكت قائلة :كل يا عمر الشريف .
تصنع الخجل ونهض مبتعدا وهويتمنى أن يأخذ منها قبلة كتلك التي رآها بين فاتن حمامة و عمر الشريف في فيلم صراع في الوادي.
بدا سعيدا هذا الصباح لأنه صباح يوم الاثنين الذي يتم فيه تغيير العرض القديم بعرض جديد مشوق ومغر ؛إنه عن (حصار طروادة )
تلكأ يتحين الفرصة لاقتناص ثمن التذكرة من الحصالة؛ فاجأه بكاء وعويل ، وانقلاب أسود ؛ فقد ماتت جدته الحبيبة عند الفجر .اختفى حتى دفنت، ثم تسلل خارجا ليشاهد الفيلم التاريخي وقد أعجبه (آخيل) بطل الفيلم؛ فقرر أن يشاهده مرة أخرى على حساب الحصالة المتهالكة من كثرة اغتصابها ..
مارآه حادثا كان قاسٍيا عليه؛ إذ رأى دار السينما منهارة تماما كأن زلزالا ضربها.
تأمل أنقاضها وهي تلفظ فأرا ضخما يغطيه التراب و الغبار ..
دار مبتسما يشده صوت “أراجوز” قريب.

أضف تعليقاً