تصل أسماعَه الموسيقى، تتغلغل في أعماقه، تجوبها، تُخلخل توازنه..الناي ينعي أحلامه المجهضة والغناء نوح على ما كان ولم يعد ممكنا، والصاج جنون يسري هُتره في بقايا مُسكَة عقل ينفلت، والدف يطرق المسامير الأخيرة في نعشه، تعتريه حالة من الهذيان، يهجّ من نِكالٍ المحتفلين وصخبهم،يسير على غير هدى مغمض العينين على صورة ابنة عمه في روعة العروس.
عاضد المطر حزنه وتساقط دون انقطاع، والساعات تلك، التي كانت تسرع بدأت تمر ببطء شديد يُبهظ أعصابه..وبين انفراج نهار وانطباق ليل فقد كل شيء يربطه بالحياة ويُذكي التمنّي ..تأخذه نفَضات محمومة إلى حيث شجرة تعانق على جذعها قلبان، نحثهما طمع الرجاء وتراتيل الدعاء وبعض من رِضا، تذاوقاهم واستعذباهم على حشمة وكبيرِ صبر أن يوما سيأتي، يحظيا بوظيفة ويرتبطان، استحالوا الآن وهْما وتَعلّةً وذَوبَ حزنٍ في دواخله يلْتطمون..سقط أرضا يمرغ فوقها عَذب سذاجةِ الطفولة وصخبِ مرح الصبا ويتجرع مرارة اللحظة، أحس بطعم التراب وعُصارة كبده المنفطر في فمه، لطم على وجهه كالنساء وأجهش بالبكاء..ماذا دهاه يا ترى حتى يقترح على “الريم” البحث عن “فيكثيم”عبر النيت وغرف الدردشة لينتشلهما من قَفر وفقْر حياتهما؟ أي شيطان من رهط إبليس تلبّس عقله وغيّبه ليرتكب هذا الخطأ الفظيع وكذا سوءِ تقديرِ لما هما عليه مقبلان؟
تذكر كم ضحكا لما رد الرجل:
– برونتو ..أنا فابيو من إيطاليا !
وكيف سارت الأمور وفق ما خططا له..دردشةٌ كل يوم تقريبا في “السيبير” وكتاب الترجمة لا يفارقهما، ثم تسارعت الوثيرة بجنون، وها ليلة العرس أزِفَتْ، وها ذا ليلُه طال وليْلَكَ واسودّ من عذابه وجه دنيا جادت ثم سَلبت.
أزيز الطائرات يقضّ مضجعه مُذْ ودّعها من بعيد بطريقتهما الخفية ..إصبع قرب العين واثنان منفرجان فوق القلب، طرفة عينيها تقول، لن أنسى
..واستمرت الحياة بدونها بطعم العلقم، ثلَم قلبه بقي ينزّ وجرح رجولته ازداد خَمجا ..لم تفتح حسابا للتواصل، انقطعت أخبارها عنه عدا ما يستقيه على استحياء من امرأة عمٍّ لم تكُ ترى بعين الرضا تقاربهما، وتُقترّ في الحديث قدر الإمكان، ودّ لو يمسك بعنقها ويجبرها على الكلام بإسهاب ..يريد أن يعْرف..أن يعرف..تصْرفه ببرودة نظرتِها محمّلة إياه السّلام لأمّه..يولّي محمّلا بعطر الطّلل متتبّعا موطئ القدم إلى حيث تبادلا العهود.
وفى الرجل بوعده وبعث ” الكونطرادو” للعربي لَمْزابي، طار ..واستقرّ في بيت ابنة العم بميلانو..الرجل في منتهى اللطف، وبنت العم في غاية الجمال، وهو في أشدّ التعب والشّوق..لم يستمع باللحظة، لقد انفلتتْ من منظومة الزمان والمكان وتبخرت هَبابَا، في “نينّي” عيني الرّيم لم يعد ير طيفه يتراقص، ولا أهذابها احتضنته كما عهدت. نام كمن مات.. هزهزةُ يدٍ لطيفة تنتشله من شبه احتضار، يبتهج الحلم التـّاوي ويُورق الأمل لبُرهة، تعيده للواقع المرير نبرة صوت لا تنطق العين:
-لاربي..لاربي ..صلاة ؟
احتقن وجهه خجلا وهو من لا تلامس جبهته الأرض إلا إذا كبا..نهض مترنّحا، كاد أن ينتشر بطوله على الأرضية المشمعة بعناية، وقصد الحمام، أسالَ الكثير من الماء، أصدر أصواتا وطرطشات..جفّف وجهه وأخرج خلسة من بين ثيابه حجرا يستعمله في دقّ مسمار حذائه الملحاح، تيمّم وتبع الرجل..تجلت له مدى ظآلته أمام تقدير الناس لمن اعتبره محض جسر يمر عليه ليعانق السعادة وهناءة عيش، وظهر له حسن إسلامه وتبتّله واستقامته..
عادا، ولم ينم،
عرف أخيرا بعد فوات الأوان، كم أفلسَ، لقد أحبته امرأة فأسْلمها لغيره وراهن بحصانه خارج حلبة السّباق ..لملم أغراضه القليلة، ترك قلبه وأحلامه هناك وغادر.
عمل بتفانٍ في شركة الرجل، لكن قدماه لم تطآ أبدا بيتَه.
- فاتا مورجانا
- التعليقات