• من فتنة الحرف أنَّ بعضهم يلتمس رضا الناس بما يغضب الله؛ فيخط بيمينه ما يسوؤه في القيامة أن يراه. ومنها أنَّ بعضهم ينفق بضاعته المزجاة، بالنبش في قبور اللغة، محييًا كل موات من الألفاظ المتقعرة، فيأتي بالأعاجيب من كل فج عميق، ويخبز رغيفًا لا يُهضم، وقرصًا لا يُقضم، ويضطر القارئ للاستعانه بالقواميس والمعاجم، لفك ما أتى به من الأحاجي والطلاسم.
  • ومن فتنة الحرف أن بعضهم تنهشُ حيَّات الغيرة قلبه، فيأخذ في مطاردة النابهين والنابغين أينما حلُّوا ابتغاء الشهرة، مرتديًا عباءة الناقد الجهبذ، مُفندًا كل قول ببلاغة فدمٍ، وتطاول قزمٍ، ظنًا منه أن بإمكانه أن يطفئ نور الشمس بنفخة، أو يوهن الصخر بنطحة، وما درى المسكين أنه لا يخدع إلا نفسه، وهل ينال الثرى من الثريا، أو يضير السحابَ نباحُ الكلاب؟
  • ومن فتنة الحرف أنَّ بعض من في قلوبهم مرض يتعلقون بأوهام، ويختلقون صورًا من الخيال، حول كاتب النص أو كاتبته، ذاهلين عن النص ذاته، ظانين بغير الحق أنَّ الكلام موجه لهم بشخوصهم، وأنَّ صاحبه يقصدهم من دون العالمين بذواتهم، فيبنون قصورًا من الرمال، ويسبحون في بحار من الأماني بلا شطآن.
  • ومن فتنة الحرف أنَّ بعضهم يتعلق بالسفاسف من القضايا، ويختلق حولها المعارك الكبار، ويدعو للمبارزة والنزال في كل ميدان، مستعرضًا عضلاته الفكرية، ومعلوماته العنكبوتية، وقد نفش ريشه على الحاضرين، وأخذه العُجب بما تخطُّه يمينه، وما يتفتق عنه ذهنه، مزدريًا خصمه الذي توهمه، وغريمه الذي اختلقه، والآخر مُعرضٌ عنه لجهله، فلا يقيمُ له وزنًا، ولا يضيع في جداله جهدًا أو وقتًا.
  • ومن فتنة الحرف المبالغة في المجاملة بغير حق، والثناء على كل من هبّ ودب، وتحسين القبيح من اللفظ والمعنى، وإعلاء ما حقه أن يسفل، وإطراء ما كان جديرًا بالإنكار، ومدح ما وجب ذمه، سعيًا وراء شهرة زائفة، وصداقة زائلة، أو لنصب حبائله للإيقاع بفريسة من ذوات الخدور، بجهد ميسور وقول مطعم بالزور.
    ومن فتنة الحرف الإعراض عن قبول الحق والتمسك بالباطل حتى لو تبين وتميز وصار كالشمس في ضحاها وكالقمر إذا تلاها واللدد في الذب عن الرأي ولو كان مجرد هوى والمنافحة عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
  • ومن فتنة الحرف تتبع الزلات، واصطياد العثرات، ولو كان خطأ مطبعيًا نتيجة تسرع، أو حتى تشكيلًا لحرف، نبه عليه بجفاء، وشهر بصاحبه بكل جلاء، ملتحفًا عباءة ناصح شفوق، بلا أدنى أدب أو ذوق، غير عابئ بأن النصيحة على الملأ فضيحة، ولو قوبل بمعشار ما يعمل لضاق بناقده ذرعًا، وأشبع الفضاء الأزرق لطمًا ودمعًا.
  • ومن فتنة الحرف الاغترارُ بكثرة المتابعين، والانشغال بزيادة المعجبين، وتسويد الصفحات بما لا طائل من ورائه، ولا فائدة من اقتفائه، وينقل من هنا وهناك الغث والسمين، كحاطب ليل يحمل بين حطبه الحيات والثعابين، ولربما مات وخلف وراءه سيئات جارية، أو ضيع أوقاته وأوقات غيره فيندم، ولات حين مندم.

أضف تعليقاً