ملفوفا بالبياض ومحمولا على الأكتاف، أرى وأستمع في أسى لمرأة عجوز متشحة بالسواد، تجلس وسط نسوة يرددن خلفها ويندبن ويلطمن الوجوه على وفاتي.
انا أبنها الوحيد المحمول على الأكتاف أمام الباب المفتوح على مصراعيه في انتظار أحتشاد الناس خلفي، في موضعي هذا التقت عينانا في نظرة وداع، أطلقت من حنجراتها صرخة مدوية، حاولت أن تخرج وتتعلق بالنعش، النسوة منعوها وأغلقوا الباب، قائلين:
– عندما تتحرك الجنازة سنسير خلفها.
لا أريد أنا أبرح مكاني، وأسكن ديارا سأرى فيها أبي الذي خطفه الموت، تركني أتكون في رحم أمي، لأكون شبيهه في كل شئ كما أرادت تلك العجوز الثكلة، كنت سندها في هذه الحياة البائسة، أنشأتني نشأت أبي،ألبستني ملابسه، أسمتني أسمه، حتى نمت علي ظهري مكانه، ألعن الفقر، وأمضغ الخبز الجاف.
أحدق كل يوم لذبابة متعلقة في بيت عنكبوت لا تستطيع الفكاك حتى يأتي ليجهز عليها، أسمع كل يوم مطاردة القطط للجرذان فوق سطح الدار الخشبي، ثم يأتي كل يوم بورص يتعلق بالسقف ليرمقني في تحدي، كأنه قرر ابتلعي، حتى لو ابتلعني وقدر على هضمي لا يوجد في الحياة ما يستحق التمسك به، أنني أعيش فقد من أجلها.
لقد أفنتني في رجلها التي أحبته، وأخلصت له وكانت وفيه لذكراه.
لم أسخط.. بل كنت أشعر بالنشوة والسعادة عندما أعود من الحقل بملابيسي متسخة باهتة الألوان، معفر الوجه، محمر العنينين، مرهق الجسد.
و يقول لي خالي: رجل ابن رجل.
ها انا ذا ذاهب إليه، ستلحق بي سريعا، لن تتحمل صدمت فراقي.
كنت رجلا لها على حياتي القصيرة التي لم تتعدي الثلاثين
لا أتذكر انني أحزنتها يوما، في كل يوم تبتسم ابتسامة حلوة تخفي كثيرا من الأوجاع.
و تقول في حنو :
أنا راضية عنك ليوم الدين.
ودائما تدلك ظهري وترقيني من الحسد، ألحت علي لأتزوج وأنجب أطفال، ليملؤا عليها الدار وتقر عيناها، رشحت أكثر من فتاة جميلة طيبة، لكني عزفت عن الزواج، لم أتخيل ان أعيش في حضن أخرى.
تسلل عمي الوحيد وليس لي أقارب أخرى من أبي على قيد الحياة إلى الدار وأزهق روحي بمربط المواشي خنقا، لم يكن وحيدا، كان معه أبنائه الثلاثة، لقد أجهزوا علي دون أن أنبس بنبت شفة؛ ليرث قطعة الأرض التي ورثتها عن أبي.
حمدا لله لقد أخفيت معالم الجريمة، حتى لا تلقى أمي نفس المصير.
جاءت فجر اليوم لتيقظني لأصلي الفجر، أحست ببرودة جسدي، في صدمة.. تقبلني وتصرخ، تلثم يدي، تلطم، تشق ثيابها، حضنتني طويلا قبل أن يرفعوها عن صدري، تاركة دموعها.. تختلج بخلجات جسدي، رأيت كل هذا ولم أستطع ان أتكلم ، لكي أهدئ من روعها، موت ألف مرة عندما رأيتها علي هذة الحالة من الفاجعة.
وهاهم يهمون بتحرك وقلبي يدمي على فراق عجوز مهيضة الجناح، لم تلبس في الدنيا غير السواد، وعمي وأبناؤه يحملون نعشي إلى مثواي الأخير.

أضف تعليقاً