هشَّمْتُ المرايا، حطَّمْتُ الحواجزَ، تفلَّتُ من نفسي، همْتُ على وجهي، عاريةَ المشاعر إلَّا من هلع الدُّروب، تقصَّيتُ المسافات، أزرعُ الخيبةَ في حقول الرُّؤى، تحاصرُني الجهاتُ المصابةُ بالذُّهول، تخونُني حنجرتي؛ صراخي موؤودٌ على الحبال الصَّوتيَّة، نهرَني زعيقُ الخوف، ارتبكَ البحثُ عن الحقيقة، هربَ من ثقوب ذاكرتي، تفتَّحَتِ الحواراتُ على صفحات الأماني…
مازالَتْ صورتُه في صفحة السَّماء، صوتُه مدوِّياً على تخوم القلب، وجهُه وسادةُ دمعي،
ابتسامتُه إشراقٌ للرُّوح، جبينُه طلعةُ الصَّباح، على ضفاف عينَيه تنمو آمال الحياة، من كفَّيه أرتشفُ رحيقَ المنى، في صدره أُفرِغُ شجوني، وفي لقياه تتورَّدُ وجناتُ المساء…
التقينا على سفوح الأحلام، بنَينا أبراجَ السَّعادة، عرَّش الحبُّ على نوافذ الفجر، سلسبيلُ عطائه لا يعرف النِّهايات، ركَنَ حبَّه في جيوب الفؤاد، تغلغلَ عطرُه في مسامات الرِّضا، حتى أصبحَ الفرحُ قاب نبضتَين وشهقة، فستانُ الزَّفاف يتنفسُه حلماً، أكليلُ العرسِ من رياحين الفردوس، وفَّرْنا صرَّةَ همسات ندندنُ بها لأطفالنا حين نعاس، ومحفظةَ أفكارٍ نربِّيهم عليها، ليكونوا جديرين بالرُّقي بين الأقران…
ولكن…
لا أعرفُ كيف ذرَتِ الرِّياحُ يبابَ الألم، جرَّحَتِ الأيامُ أقدامَ الوصول، أوقدَتِ الحربُ ظلالَ الرَّاحة، جرَّدَتْ أغصانَ الأمان، أحرقَتْ أوراقَ الفصول، تاهَت قناديلُ الرَّشاد، انطفأ سراجُ الهدف، وجثَتْ بوصلةُ الدَّليل على أعتاب اليأس، مرَّغ الذُّهولُ رأسَه في عجاجِ الخراب، داس الظلمُ هاماتِ البراءة، نعقَ الغرابُ على هشيم الوجع، زُلزِلَتْ أرضُ الأوطان، انفجرَتْ جحورُ الأوغاد، عبثَ ماردُ الهجرة في البشر، تلقَّفتْهم حيتانُ البحار، غَرُبَتْ بهم أشرعةُ الرَّحيل، تناثروا كالعهن في بطاح البلاد، وهو على العهد باقٍ، لا تزحزحُه غشاواتُ السَّراب، ولا تبطحُه ضغوطاتُ الانجراف، يُسرجُ الصِّدقَ على غيمات الوفاء، تَصهلُ البطولةُ في شرايين الأصول، يعبُّ الشَّجاعةَ من مناهل الرُّجولة…
انتزعَ الجزعَ ليدافعَ عن حِماه، ربط جأشَه على منابر الفداء، انطلق كالنَّسر بين رفاقِه، دكَّ غطرسةَ العدوِّ بعنفوانِه، ناطحَ عنجهيَّتَه بجَلَدِه، تأبَّط سلاحَه بيقينِ ثائرٍ مؤمنٍ بالانتصار…
وفي استراحة محاربٍ، أرسل صورتَه وطلب أن ننهيَ استعدادات الزَّفاف، فقد آن لمُّ الشَّمل، وإتمامُ الفرح…
قام الأهلُ على قدمٍ وساقٍ بتأمين المستلزمات، وتهيئة المطلوب بانتظار العريس…
ابتسم القدرُ، علَتِ الزَّغاريدُ، هفهفَتِ الطَّرحةُ، سار الأطفالُ بالشُّموع، هلَّلِتِ الوجوهُ، أخيراً التقينا…
راعني اصفرارُ وجهه، تمزُّق ثيابِه، غبارٌ يعفِّر محيَّاه، عيناه تحملقان بي مذهولاً، قال بنبرة صوتِه التي أحبُّها:
ـ ما الذي فعلَ بكِ هذا؟
ـ لا اعرف، لكني أذكر أني هرولْتُ لأحتضنَك…
ـ بل أنا مَن اندفع لينقذَكِ من الخطر
ـ كان الانفجارُ مروِّعاً، فقط رأيتُ البريقَ في السَّماء
ـ وأنا ما سمعتُ شيئاً بعد أن خطف البرقُ بصري
ـ أين يدكَ؟
ـ هناك تبحثُ عن يدكِ المبتورة…
وفي عالمٍ سرمديٍّ، تصافحْنا، وكان العناقُ أبديَّاً.
- فرحٌ
- التعليقات